تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 108

مساهمون:

ص١٠٨
الكذب من أحبارهم ، ونقله إلى عوامّهم . والثانية : وسماع الحق منك يا محمد ! ونقله لأحبارهم ؛ ليحرفوه .
يَقُولُونَ
أي : علماء اليهود لسفلتهم .
إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ
يعني : إن أفتاكم محمّد بالجلد ، والتّحميم ؛ فاقبلوا منه ، واعلموا به .
وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا
أي : وإن لم يفتكم بذلك ، وأفتاكم بالرّجم ؛ فاحذروا أن تقبلوا منه .
وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ
أي : ضلالته في الدنيا ، وعقوبته في الآخرة .
فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً :
فلن تقدر على دفع أمر اللّه فيه . وفيه ردّ على من يقول بالصّلاح ، والأصالح ، وعلى من يقول : إنّ العبد يخلق أفعال نفسه كالمعتزلة .
أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ
أي : لم يرد اللّه أن يطهّر قلوبهم من رجس الكفر ، وخبث الضّلالة ، كاليهود ، ونفاق المنافقين . وفي هذه الآية دلالة على أنّ اللّه لم يرد إسلام الكافر ، وأنّه لم يطهّر قلبه من الشكّ ، والشّرك ، ولو فعل ذلك لامن . وهذه الآية من أشد الآيات على القدريّة .
لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ :
قيل : هو فضيحتهم حين أنكروا الرّجم ، ثمّ أحضرت التوراة فوجد فيها الرّجم . وقيل : خزيهم بأخذ الجزية منهم ، والقتل ، والسّبي ، والطّرد من أرض الحجاز إلى غيرها . وخزي المنافقين بالفضيحة ، وهتك أستارهم بإظهار نفاقهم ، وخبثهم ، ومكرهم .
وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ :
هو الخلود في جهنم ، قال أبو حيّان - رحمه اللّه تعالى - : الآية جاءت تسلية للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، وتخفيفا عنه من ثقل حزنه على مسارعتهم في الكفر ، وقطعا لرجائه من إسلامهم ، وفلاحهم . هذا والخزي ، والإخزاء هو : الإذلال ، قال ذو الإصبع العدواني وهو شاعر جاهليّ : [ البسيط ]
لاه ابن عمّك « 1 » لا أفضلت في حسب * عنّي ولا أنت ديّاني فتخزوني
وهذا هو الشّاهد رقم [ 260 ] من كتابنا : « فتح القريب المجيب » . ومنه قول حسّان بن ثابت - رضي اللّه عنه - يخاطب به من شجّ وجه النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم في غزوة أحد : [ الطويل ]
فأخزاك ربّي يا عتيب بن مالك « 2 » * ولقّاك قبل الموت إحدى الصّواعق
مددت يمينا للنّبيّ تعمّدا * ودمّيت فاه قطّعت بالبوارق « 3 »
وهو على هذا من الرّباعي ، من : أخزى ، يخزي ، وهو من الثّلاثي : خزي ، يخزى ، خزاية بمعنى : استحيا ، وخجل . قال نهشل بن حريّ الدّارميّ من قصيدة يرثي بها أخاه ، وكان قتل بصفين مع الإمام عليّ ، كرّم اللّه وجهه : [ الطويل ]
هامش
( 1 ) أصله : للّه درّ ابن عمّك . ( 2 ) هو : عتبة بن أبي وقاص . ( 3 ) البوارق : جمع بارق ، وهو السيف ، لأنّه يبرق ، ويلمع .
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 108 | الشيخ محمد علي طه الدرة