تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 107

مساهمون:

ص١٠٧
الشرح :
يا أَيُّهَا الرَّسُولُ . . .
إلخ : لمّا بيّن اللّه في الآية السابقة : أنّه مالك الملك ؛ أمر نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم بتفويض الأمر إليه ، وعدم المبالاة بمكايد الأعداء ، وناداه بهذا النداء ، فقال :
يا أَيُّهَا الرَّسُولُ
ولم يخاطبه بوصف الرّسالة في جميع القرآن إلا في موضعين في هذه السورة : هذا ، وما يأتي في الآية رقم [ 67 ] ، وبقيّة خطاباته بوصف النبوّة ، وكلا النّداءين فيهما تشريف ، وتكريم له صلّى اللّه عليه وسلّم .
لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ
أي : يقعون في الكفر سريعا ، أي : في إظهاره ، والجهر به إذا وجدوا فرصة . والمراد : المنافقون ؛ الذين قال اللّه فيهم :
مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ
فإنّهم أظهروا الإيمان بالقول ، وأخفوا الكفر في القلوب . والمعنى : لا تهتمّ يا محمد بهم ، ولا تبال بكفرهم ، فإنّك منصور عليهم ، ومحفوظ من شرّهم ، فإنهم لن يضروك أبدا .
وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا
أي : وطائفة من اليهود كذلك يسارعون في الكفر ، ويؤذونك .
سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ :
أي : إنّ سفلة اليهود ، والمنافقين يسماعون الكذب من الأحبار من تحريف التوراة ، والبهتان ، والافتراء . وقيل : المعنى : يسماعون كلامك يا محمد ؛ ليكذبوا عليك ، وذلك : أنّهم كانوا يسماعون من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ثمّ يخرجون من عنده ، ويقولون : سمعنا كذا ، وكذا ، ولم يسمعوا منه ، بل كذبوا عليه عند عامّتهم ، يريدون تشويه سمعته ، وتحريف رسالته ، ونبوّته .
سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ
المراد : بنو قريظة الذين كانوا يسكنون المدينة مع النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فكانوا ينقلون الكلام لقوم آخرين هم أهل خيبر محرّفا ، ومزيفا ، فقد كان بنو قريظة جواسيس ، وعيونا على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم .
لَمْ يَأْتُوكَ
يعني : إنّ أهل خيبر لم يأتوك ، ولم يحضروا عندك يا محمد ! .
يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ
أي : يغيّرون حدود اللّه الّتي أوجبها عليهم في التّوراة ، وذلك : أنّهم بدّلوا الرّجم بالجلد ، والتّحميم . وقال الحسن البصري - رحمه اللّه تعالى - : إنّهم يغيّرون ما يسماعون من النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بالكذب عليه . هذا ؛ وقد قال تعالى هنا :
مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ
وقال في الآية رقم [ 13 ] وفي سورة ( النساء ) رقم [ 46 ] :
عَنْ مَواضِعِهِ
والفرق بينهما : أنا إذا فسّرنا :
يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ
بالتّأويلات الباطلة ، فيكون معنى قوله تعالى :
يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ :
أنّهم يذكرون التأويلات الفاسدة لتلك النصوص ، وليس فيها بيان : أنّهم يحرفون تلك اللّفظة من الكتاب ، وأما قوله تعالى :
يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ
ففيه دلالة على أنّهم جمعوا الأمرين : يعني أنّهم كانوا يذكرون التأويلات الفاسدة ، وكانوا يحرّفون اللّفظة من الكتاب ، ففي قوله :
يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ
إشارة إلى التأويل الباطل ، وفي قوله :
مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ
إشارة إلى إخراجه من الكتاب بالكلّية . انتهى . خازن . وانظر شرح
الْكَلِمَ
في الآية رقم [ 13 ] . وملخص الكلام : أنّ لليهود صفتين بارزتين : الأولى : سماع