تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 86

مساهمون:

ص٨٦
- أخزاه اللّه - على الشّجرة . التي دخلها زكريا ، وأراهم طرف ردائه ، فأخذوا المناشير ، ونشروا الشّجرة نصفين ، فسلّط اللّه عليهم أخبث أهل الأرض علجا مجوسيّا ، كما رأيت في الآية رقم [ 259 ] من سورة ( البقرة ) وذكرتها أيضا في الآية رقم [ 5 ] من سورة ( الإسراء ) فانتقم اللّه منهم بدم يحيى ، وزكريا ، على نبينا ، وحبيبنا ، وعليهم ألف ألف صلاة ، وألف ألف سلام ، فقتل عظماءهم ، وسبى منهم مئة وسبعين ألفا . انتهى بتصرف كبير من قصص الأنبياء للنجّار ، وللثّعالبي . وهكذا كان خبث بني إسرائيل ، وخروجهم عن طاعة اللّه تعالى ، وقتلهم الأنبياء بغير حقّ . وينبغي أن تعلم : أنّ قتل هذين النّبيّين كان في حياة عيسى ، وأنّهم كانوا جميعا في زمن واحد ، ولم يذكر أحد عمر يحيى عليه السّلام ، غير أنّ عبد الوهاب النجار - رحمه اللّه تعالى - قال : ولما بلغ المسيح أنّ يحيى قد قتل ؛ جهر بدعوته ، وقام في الناس واعظا . انتهى . وإذا علمت : أن يحيى ، وعيسى متقاربان في زمن ولادتهما ، وأن عيسى قد رفع ، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة تبيّن لك أن يحيى لم يعش ثلاثين عاما . تأمل ، وتدبّر ، وربك أعلم ، وأجلّ وأكرم ، وصلّى اللّه على حبيبنا وشفيعنا محمد ، وعلى عيسى ، ويحيى ، وزكريا ، وجميع الأنبياء والمرسلين ، وسلم .

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 42 ]

وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ ( 42 ) الشرح :
وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ :
قال البيضاوي - رحمه اللّه تعالى - : كلّموها شفاها كرامة لها . ومن أنكر الكرامة زعم : أن ذلك كان معجزة لزكريا ، عليه السّلام ، وإرهاصا لنبوة عيسى ، عليه السّلام ، فإن الإجماع على أنّ اللّه تعالى لم يستنبئ امرأة لقوله تعالى في سورة ( الأنبياء ) :
وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا .
وقيل : ألهموها . وصحّح القرطبي نبوتها . والمعتمد الأوّل للآية القرآنية . والاصطفاء الأول : تقبلها من أمها ، ولم تقبل قبلها أنثى ، وتفريغها للعبادة ، وإغناؤها برزق الجنّة عن الكسب ، وتطهيرها عمّا يستقذر من النساء . والثاني : هدايتها ، وإرسال الملائكة إليها ، وتخصيصها بالكرامات السّنية ، كالولد من غير أب ، وتبرئتها ممّا قذفها اليهود به بإنطاق الطفل ، وجعلها ، وابنها آية للعالمين . والمراد ب (
الْمَلائِكَةُ
) : جبريل وحده ، كما في ندائه لزكريا ، عليه السّلام . هذا ؛ وقيل المراد ب
نِساءِ الْعالَمِينَ :
نساء زمانها ، والمعتمد : أنّ المراد نساء العالمين أجمع إلى يوم الصّور . وقد نظم بعضهم الأفضلية بينها ، وبين غيرها ، فقال : [ البسيط ]
فضلى النّسا بنت عمران ففاطمة * خديجة ثمّ من قد برّأ اللّه
والمراد ب « من قد برأ اللّه » : عائشة - رضي اللّه عنها - . وعن أبي موسى الأشعري - رضي اللّه عنه - : أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « كمل من الرّجال كثير ، ولم يكمل من النّساء إلّا مريم بنت