تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 622

مساهمون:

ص٦٢٢
عن الصّواب ، والاستقامة ، وانظر الآية رقم [ 60 ] ورقم [ 88 ] . وإنّما ذكر سبحانه في الآية الأولى :
فَقَدِ افْتَرى
لأنّها متصلة بقصّة أهل الكتاب ، ومنشأ شركهم نوع افتراء ، وهو دعوى التبنّي . تنبيه : نزلت الآية الأولى في حقّ وحشي قاتل الحمزة - رضي اللّه عنه - ، وهي متّصلة بالكلام على أهل الكتاب ، فهي ترغّبهم في الإيمان . ونزلت هذه الآية في ترغيب طعمة بن أبيرق بالتّوبة ، والرّجوع إلى الإيمان ، فلا تكرار في الكلام . هذا ؛ وقيل : جاء شيخ إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقال : إنّي شيخ منهمك في الذنوب ، والمعاصي ، إلا أنّي لم أشرك باللّه شيئا منذ عرفته ، وآمنت به ، ولم أتّخذ من دونه وليّا ، ولم أقع في المعاصي جراءة على اللّه ، ولا مكابرة له ، وما توهّمت طرفة عين أنّي أعجز اللّه هربا ، وإني لنادم تائب ، فما ترى حالي عند اللّه تعالى ؟ فنزلت الآية الكريمة . وسبق إعراب مثل هذه الآية .

[ سورة النساء ( 4 ) : آية 117 ]

إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ إِناثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطاناً مَرِيداً ( 117 ) الشرح :
إِنْ يَدْعُونَ :
ما يعبدون ؛ أي : الكفار .
مِنْ دُونِهِ :
من دون اللّه .
إِلَّا إِناثاً :
المراد بها : الأصنام المسمّاة باللات ، والعزى ، ومناة ، ونحوها ، كان لكلّ حيّ صنم يعبدونه ، ويسمّونه : أنثى بني فلان ، وذلك لتأنيث أسمائها ، أو لأنّه كانت جمادات ، والجمادات تؤنّث من حيث ضاهت الإناث لانفعالها ، أي : لخلقها ، ومن حقّ المعبود أن يكون خالقا . وقيل : أنّثت ؛ لأنّهم كانوا يقولون في أصنامهم : هنّ بنات اللّه . وقيل : لأنّهم كانوا يلبسونها أنواع الحلي ، ويزيّنوها على هيئات النّساء .
شَيْطاناً مَرِيداً :
لأنّه هو الذي أمرهم بعبادتها ، فكانت طاعته في ذلك عبادة له . ونظيره في المعنى قول اللّه عزّ وجل في سورة ( التوبة ) :
اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ
أي : أطاعوهم فيما أمروهم به ، لا أنهم عبدوهم . وانظر شرح « الشيطان » في الآية رقم [ 76 ] . هذا ؛ وقال ابن عباس - رضي اللّه عنهما - : لكلّ صنم شيطان يدخل في جوفه ، ويتراءى للسّحرة ، والكهنة ، ويكلّمهم : فلذلك قال اللّه تعالى :
وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطاناً مَرِيداً .
هذا ؛ و ( مريد ) هو الذي بلغ النهاية في الشرّ ، والفساد ، يقال : « مرد » من بابي : نصر ، وظرف : إذا عتا ، وتجبر ؛ فهو مارد ، ومريد . هذا ؛ وأصل ( دون ) من الدّون ، وهو : القرب ، ومثله : أدنى ، قال تعالى في الآية رقم [ 4 ] :
ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا
ومنه تدوين الكتب ؛ لأنّه إدناء ؛ أي : تقريب البعض من البعض ، ثمّ استعير للرّتب ، فيقال : زيد دون عمرو ؛ أي : في الشرف ، والسيادة ، ثم اتّسع فيهما ، فاستعملا في كلّ تجاوز حدّ إلى حدّ ، وتخطّي حكم إلى حكم ، قال تعالى في سورة ( آل عمران ) رقم [ 28 ] :
لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ
أي : لا يتجاوز وقاية المؤمنين إلى الكافرين ، وقال أميّة بن أبي الصّلت : [ البسيط ]
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 622 | الشيخ محمد علي طه الدرة