تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 560

مساهمون:

ص٥٦٠

[ سورة النساء ( 4 ) : آية 88 ]

فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أَ تُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً ( 88 ) الشرح : اختلف العلماء في سبب نزول هذه الآية ، فقد روى مسلم عن زيد بن ثابت - رضي اللّه عنه - قال : لمّا خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى أحد ؛ رجع ناس ممّن خرج معه ، فكان أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فئتين ، قال بعضهم : نقتلهم . وقال بعضهم : لا . فنزلت الآية ، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنّها طيبة ، وإنّها تنفي الخبث ، كما تنفي النّار خبث الفضّة » . أخرجه البخاريّ ، ومسلم . والمعنيّ بالمنافقين هنا عبد اللّه بن أبيّ ، وأصحابه الذين خذلوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يوم أحد ، ورجعوا بعسكرهم بعد أن خرجوا . كما تقدّم في ( آل عمران ) . وذكر أبو سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه : أنّها نزلت في قوم جاؤوا إلى المدينة ، وأظهروا الإسلام ، فأصابهم وباء المدينة ، وحمّاها . فأركسوا ، فخرجوا من المدينة ، فاستقبلهم نفر من أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقالوا : ما لكم رجعتم ؟ قالوا : أصابنا وباء المدينة ، فاجتويناها . فقالوا : أما لكم في رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أسوة ؟ ! فقال بعضهم : نافقوا . وقال بعضهم : لم ينافقوا ، هم مسلمون ، فأنزل اللّه عزّ وجل الآية الكريمة .
وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا :
ردّهم إلى حكم الكفرة ، أو نكسهم بأن صيّرهم إلى النار بسبب عنادهم ، ومعاصيهم ، وحكى الفرّاء : أركسهم ، وركسهم ؛ أي : ردّهم إلى الكفر ، ونكّسهم ، وقال النضر بن شميل ، والكسائي : والركس ، والنكس : قلب الشيء على رأسه ، أو ردّا له على آخره ، والمركوس : المنكوس . قال أمية بن أبي الصّلت - الذي آمن شعره ، وأبى لسانه - في وصف أهل النّار : [ البسيط ]
فأركسوا في حميم النّار إنّهم * كانوا عصاة وقالوا الإفك والزّورا
بِما كَسَبُوا
أي : بسبب ما اكتسبوا من الأعمال الخبيثة . وقيل : بما أظهروا من الارتداد بعد أن كانوا على النّفاق .
أَ تُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ :
هذا خطاب للفئة الّتي دافعت عن المنافقين . والمعنى : أتبتغون أيّها المؤمنون هداية هؤلاء المنافقين الّذين أضلّهم اللّه عن الهدى .
وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ
يعني : عن الهدى .
فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا :
فلن تجد له طريقا إلى الهداية . وفي هذا ردّ على القدرية ، والمعتزلة القائلين بأنّ العبد يخلق هدايته بنفسه ، ولا تنس الالتفات من الغائب إلى الحاضر ؛ أي : الخطاب . هذا ؛ والإضلال : خلق فعل الضّلال في العبد . والهداية : خلق فعل الاهتداء في العبد . هذا هو الحقيقة عند أهل السنة ، وقد يعترض بعض الناس على خلق فعل الضّلال في العبد ، فيقول :