تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 553

مساهمون:

ص٥٥٣
حكاية عن قول أولاد يعقوب لأبيهم :
قالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ .
والحضّ ، والتحريض : الحثّ على الشّيء بكثرة تزيينه ، وتسهيله للإنسان . قال اللّه تعالى في سورة ( الأنفال ) :
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ . . .
إلخ .
عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ . . .
إلخ : أي : يكف بطش الكافرين ، وشدّتهم ، وهم قريش ، وقد كفّ اللّه بأسهم بالرّعب ، كما رأيت ، فلم يخرجوا ، و (
عَسَى
) في الأصل للترجّي ، ولكنّها في جانب اللّه ، وكرمه للتّحقيق ، والتأكيد ، وهي هنا مطمعة ، والإطماع من اللّه عزّ وجل واجب ، على أنّ الطّمع قد جاء في كلام الربّ على الوجوب ، ومنه قوله تعالى في سورة ( الشعراء ) حكاية عن قول إبراهيم - على نبينا ، وعليه ألف صلاة ، وألف سلام - :
وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ
وقال ابن مقبل : [ الكامل ]
ظنّي بهم كعسى وهم بتنوفة * يتنازعون جوائز الأمثال
وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً
أي : صولة ، وأعظم سلطانا ، وأشدّ انتقاما من أعدائه .
وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا :
عقوبة ، وانتقاما ، ونكّلت بالرّجل تنكيلا من النّكال ، وهو اسم ما يجعل عبرة للغير ، قال تعالى في سورة ( البقرة ) رقم [ 66 ] :
فَجَعَلْناها نَكالًا لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ
وقال تعالى في سورة ( المائدة ) رقم [ 38 ] :
فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ .
انظر شرح الآيتين في محلهما . خاتمة : قال القرطبي - رحمه اللّه تعالى - : إن قال قائل : نحن نرى الكفّار في بأس ، وشدّة ، وقلتم : إنّ (
عَسَى
) بمعنى اليقين ، فأين ذلك الوعد ؟ قيل له : قد وجد هذا الوعد ، ولا يلزم وجوده على الاستمرار والدّوام ، فمتى وجد ؛ ولو لحظة مثلا ؛ فقد صدق الوعد ، فقد كفّ اللّه بأس المشركين ببدر الصّغرى ، وأخلفوا ما كانوا عاهدوا الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم من الحرب ، والقتال :
وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ .
ومثله ما حصل في غزوة الحديبية ، وفي غزوة الأحزاب ، وأخرج اليهود من ديارهم ، وأموالهم بغير قتال المؤمنين لهم ، مع أنّه قد دخل من اليهود والنصارى العدد الكثير والجمّ الغفير تحت الجزية صاغرين ، وتركوا المحاربة داخرين ، فكفّ اللّه بأسهم عن المؤمنين . والحمد للّه رب العالمين . انتهى بتصرف . وأقول : إنّ اللّه يكف بأس الكافرين عن المؤمنين ، وأمّا المسلمون المنافقون المزيّفون ؛ فلا يكفّ عنهم بأس الكافرين . بعد هذا : في الآية الكريمة حضّ على الجهاد ، والقتال في سبيل اللّه ، كما قال الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم للمؤمنين في غزوة بدر ، وهو يسوّي الصفوف : « قوموا إلى جنّة عرضها السّموات والأرض » . وقد وردت أحاديث كثيرة ترغّب في ذلك ، فمن ذلك ما رواه البخاريّ عن أبي هريرة - رضي اللّه عنه - قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « من آمن باللّه ورسوله ، وأقام الصّلاة ، وآتى الزّكاة ، وصام رمضان كان حقّا على اللّه أن يدخله الجنّة ، هاجر في سبيل اللّه ، أو جلس في أرضه الّتي ولد