تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 492

مساهمون:

ص٤٩٢

[ سورة النساء ( 4 ) : آية 56 ]

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزاً حَكِيماً ( 56 ) الشرح :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً :
هذا وعيد من اللّه - عزّ وجلّ - للذين أقاموا على تكذيبهم بما أنزل اللّه تعالى من اليهود ، وغيرهم من سائر الكفار ، والمعنى : إنّ الذين جحدوا ما أنزلت على رسولي محمد من آياتي الدالة على توحيدي ، وصدق رسولي محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، سوف أدخلهم نارا ، يحترقون فيها .
كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ
أي : احترقت جلودهم .
بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها :
يعني غير الجلود المحترقة . قال ابن عباس ، وابن عمر - رضي اللّه عنهم - : إذا احترقوا ؛ بدلت لهم جلود بيض كالقراطيس . وروي : أنّ هذه الآية قرئت عند عمر - رضي اللّه عنه - ، فقال عمر للقارئ : أعدها ، فأعادها ، وكان عنده معاذ بن جبل ، فقال عند تفسيرها : تبدّل كلّ ساعة مئة مرّة ، فقال عمر - رضي اللّه عنه - : هكذا سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . ذكره البغويّ بغير سند ، وخذ ما يلي : عن أبي هريرة - رضي اللّه عنه - عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « ما بين منكبي الكافر مسيرة ثلاثة أيّام للرّاكب المسرع » . رواه البخاريّ ، ومسلم . وعنه أيضا عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « ضرس الكافر ، أو ناب الكافر مثل أحد ، وغلظ جلده مسيرة ثلاثة أيّام » . أخرجه مسلم ، والترمذيّ . وإن أردت الزيادة ؛ فانظر التّرغيب ، والتّرهيب للحافظ المنذري ، رحمه اللّه تعالى . والحكمة في توسيع جلودهم ، وأعضائهم ؛ ليذوقوا شدّة العذاب ، كما قال تعالى :
لِيَذُوقُوا الْعَذابَ .
وتبديل الجلود : إعادتها بشكل آخر ، كما تقول : صنعت من خاتمي خاتما آخر ، فالثاني هو الأوّل غير أنّ الصناعة بدلت الصّفة . وقيل : المراد بالجلود : السّرابيل ، كما قال تعالى في سورة ( إبراهيم ) على نبينا ، وحبيبنا ، وعليه ألف صلاة ، وألف سلام :
وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ ( 49 ) سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ
سمّيت جلودا للزومها جلودهم على المجاورة ، كما يقال للشيء الخاص بالإنسان : هو جلدة ما بين عينيه ، وأنشد ابن عمر - رضي اللّه عنهما - : [ الطويل ]
يلومونني في سالم وألومهم * وجلدة بين العين والأنف سالم
ونظير تبديل الجلود قوله تعالى في سورة ( إبراهيم ) أيضا :
يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ
وهي تلك الأرض بعينها إلا أنّها تغيّر آكامها ، وجبالها ، وأنهارها ، وأشجارها ، ويزاد في سعتها ، ويسوّى ذلك منها ، ومن هذا المعنى قول الشاعر : [ الطويل ]
فما النّاس بالنّاس الّذين عهدتهم * ولا الدّار بالدّار الّتي كنت أعرف