تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 38

مساهمون:

ص٣٨
فيه . وأما الصّدق في الفعل هو عدم الانصراف عنه قبل تمامه . والصّدق في النيّة : العزم على الفعل ؛ حتى يبلغه .
وَالْمُنْفِقِينَ :
يعني أموالهم في طاعة اللّه تعالى . ويدخل فيه : نفقة الرجل على نفسه ، وعلى أهله ، وأقاربه ، وصلة رحمه ، والزّكاة ، والنفقة في القربات . وانظر ما ذكرته في سورة البقرة ؛ تجد ما يسرّك .
وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ :
ومثله قوله تعالى في سورة ( الذاريات ) :
وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ .
هذا ؛ والأسحار جمع : سحر : آخر الليل ، وهو بفتحتين ، وهو بكسر السين ، وسكون الحاء : خزعبلات ، وضلالات يقوم بها أفّاكون ، ودجّالون . وهو بفتح السين ، وسكون الحاء : منتهى قصبة الحلقوم ، ومنه قول أم المؤمنين عائشة - رضي اللّه عنها - : قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ورأسه بين سحري ، ونحري . انتهى جمل نقلا من السّمين . وقال البيضاوي - رحمه اللّه تعالى - : في هذه الآية الكريمة حصر لمقامات السّالك على أحسن ترتيب ، فإنّ معاملته مع اللّه تعالى : إمّا توسل ، وإمّا طلب ، والتوسّل إمّا بالنفس ، وهو منعها من الرّذائل ، وحبسها على الفضائل ، والصبر يشملها . وإمّا بالبدن ، وهو إما قولي ، وهو الصّدق ، وإما فعلي ، وهو القنوت ؛ الذي هو ملازمة الطّاعة . وإمّا بالمال ، وهو الإنفاق في سبيل الخير ، وأمّا الطلب ؛ فبالاستغفار ؛ لأنّ المغفرة أعظم المطالب ، بل الجامع لها . وتوسيط الواو بينها للدلالة على استقلال كلّ واحدة منها ، وكمالهم فيها ، أو لتغاير الموصوفين بها . وتخصيص الأسحار بالذّكر ؛ لأنّ الدّعاء فيها أقرب إلى الإجابة ؛ لأنّ العبادة حينئذ أشقّ ، والنّفس أصفى ، والرّوع أجمع للمجتهدين . قيل : إنّهم كانوا يصلّون إلى السّحر ، ثم يستغفرون بالأسحار ، ويدعون انتهى بحروفه . نعم ؛ قال نافع مولى ابن عمر - رضي اللّه عنهما - : كان ابن عمر يحيي اللّيل ، ثمّ يقول : يا نافع ! أسحرنا ؟ فأقول : لا ، فيعاود الصّلاة ، فإذا قلت : نعم ؛ قد يستغفر ، ويدعو حتّى يصلّي الصّبح . فعن أبي هريرة - رضي اللّه عنه - : أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « ينزل ربّنا تبارك وتعالى كلّ ليلة إلى سماء الدّنيا حين يبقى الثّلث الأخير ، فيقول : من يدعوني ، فأستجيب له ؟ ! من يسألني فأعطيه ؟ ! من يستغفرني فأغفر له ؟ ! حتى يطلع الفجر » متّفق عليه . فهذا الحديث من أحاديث الصّفات ، وللعلماء فيه ، وفي أمثاله مذهبان معروفان : مذهب السّلف : الإيمان به ، وإجراؤه على ظاهره ، ونفي الكيفية عنه . والمذهب الثاني هو مذهب من يتأوّل أحاديث الصّفات ، انظر الآية رقم [ 7 ] . وبالجملة فقد وصف اللّه تعالى هؤلاء بما وصف ، ثمّ بيّن : أنّهم مع ذلك لشدّة خوفهم ، ووجلهم : أنهم يستغفرون بالأسحار ، وروي : أنّ لقمان - عليه السّلام - قال لابنه : يا بني ! لا تكن أعجز من الدّيك ، فإنه يصوّت بالأسحار ؛ وأنت نائم على فراشك . وقد قال الزمخشري : وخصّ الأسحار ؛ لأنّهم كانوا يقدّمون قيام الليل ، فيحسن طلب الحاجة بعده ، كما قال تعالى في سورة ( فاطر ) :
إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ .