تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 341

مساهمون:

ص٣٤١
فرحهم منجيا لهم من العذاب . نزلت الآية الكريمة في المنافقين . وخذ ما يلي : عن أبي سعيد الخدري - رضي اللّه عنه - : أن رجالا من المنافقين على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان إذا خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى الغزو ، وتخلّوا عنه ؛ فرحوا بمقعدهم خلاف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فإذا قدم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، اعتذروا إليه ، وحلفوا ، وأحبّوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا ، فنزلت الآية الكريمة . متّفق عليه . وانظر سورة ( التوبة ) رقم [ 81 ] . وقيل : نزلت في اليهود . وخذ ما يلي : عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف - رضي اللّه عنهما - : أن مروان بن الحكم - وكان أميرا على المدينة - قال : لبوّابه : اذهب يا رافع إلى ابن عباس ، فقل له : لئن كان كلّ منا فرح بما أتى ، وأحبّ أن يحمد بما لم يفعل معذبا ؛ لتعذّبنّ أجمعون ! قال ابن عباس - رضي اللّه عنهما - : مالكم ولهذه الآية ؟ ، إنّما نزلت هذه الآية في أهل الكتاب ، ثم تلا ابن عباس - رضي اللّه عنهما - الآية ، والتي قبلها . وقال ابن عباس : سألهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن شيء ، فكتموه إيّاه ، وأخبروه بغيره . فخرجوا ؛ وقد رأوا : أنّهم قد أخبروه بما سألهم عنه ، واستحمدوا عليه بذلك ، وفرحوا بما أوتوا من كتمانهم إيّاه ما سألهم عنه . متفق عليه أيضا . وقال محمّد بن كعب القرظي - رضي اللّه عنه - : نزلت في علماء بني إسرائيل الذين كتموا الحق ، وأتوا ملوكهم من العلم ما يوافقهم في باطلهم .
وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا
أي : ويحبّون أن يحمدهم الناس على شيء لم يفعلوه ؛ أي : يحبون أن يقول الناس لهم : علماء ، وليسوا بأهل العلم على الحقيقة . وقيل : فرحوا بما أتوا من تبديلهم التوراة ، وأحبّوا أن يحمدهم الناس على ذلك .
فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ
أي : بمنجاة من العذاب ، والمفازة : المنجاة ، وتطلق على الأرض الفقر الواسعة الشّاسعة ، سمّيت بذلك على جهة التفاؤل ، أو لأنّ من قطعها ؛ فاز . وقرئ الفعل بفتح التاء ، والياء ، فيكون الفعل تأكيدا للأول وقرئ بفتح التاء ، وضمّ الباء ، فيكون المراد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه ، والمعنى : لا تظنّهم بمنجاة من العذاب ؛ الذي أعدّه اللّه لهم في الدنيا من القتل ، والأسر ، وضرب الجزية ، والذلّة ، والصغار ،
وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
أي : في الآخرة ، وهذه الآية وإن كانت نزلت في اليهود ، أو المنافقين ، فإنّ حكمها عامّ في كلّ من أحبّ أن يحمد بما لم يفعل من الخير ، والصلاح ، أو ينسب إلى العلم ؛ وليس هو كذل . ، واللّه أعلم بمراده ، وأسرار كتابه . هذا ؛ والفرح لذة في القلب في إدراك المحبوب ، ولذا أكثر ما يستعمل في اللّذات البدنية الدنيويّة ، وقد ذمّ اللّه الفرح في مواضع من كتابه ، كقوله تعالى في سورة ( القصص ) رقم [ 76 ] :
لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ
وقوله تعالى :
إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ
رقم [ 10 ] من سورة ( هود ) على نبينا ، وحبيبنا ، وعليه ألف صلاة ، وألف سلام ، ولكنّه مطلق ، فإذا قيد الفرح ؛ لم يكن ذمّا ، كقوله تعالى في هذه السورة في حقّ الشهداء :
فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ
وقال تعالى :