تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 260

مساهمون:

ص٢٦٠
وجهه ، وأقبل يريد قتله ، فذبّ عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مصعب بن عمير - رضي اللّه عنه - ، وهو صاحب الراية يوم بدر ، ويوم أحد ؛ حتّى قتله ابن قمئة ، وهو يرى : أنّه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال : قد قتلت محمدا ، وصرخ صارخ : ألا إنّ محمدا قد قتل ! وقيل : كان الصارخ الشّيطان ، ففشا في الناس خبر قتله صلّى اللّه عليه وسلّم فانكفا ، فجعل الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم يدعو : إليّ عباد اللّه ! حتّى انحازت إليه طائفة من أصحابه ، فلامهم على هربهم ، فقالوا : يا رسول اللّه ! فديناك بآبائنا ، وأمهاتنا ! أتانا خبر قتلك ، فرعبت قلوبنا ، فولّينا مدبرين ! فنزلت . وروي : أنه لما صرخ الصّارخ ؛ قال بعض المسلمين : ليت عبد اللّه بن أبيّ يأخذ لنا أمانا من أبي سفيان ! وقال ناس من المنافقين : لو كان نبيّا ؛ لما قتل ! ارجعوا إلى إخوانكم ، وإلى دينكم . فقال أنس بن النّضر عمّ أنس بن مالك - رضي اللّه عنه - : يا قوم ! إن كان محمد قتل ؛ فإنّ ربّ محمد حيّ لا يموت ، وما تصنعون بالحياة بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ؟ ! فقاتلوا على ما قاتل عليه ، وموتوا على ما مات عليه ، ثم قال : اللهم إني أعتذر إليك ممّا يقول هؤلاء ! وأبرأ إليك ممّا جاء به هؤلاء ! ثم شدّ بسيفه ، فقاتل حتّى قتل - رضي اللّه عنه - ، وأرضاه ! ومعنى قوله تعالى :
وَما مُحَمَّدٌ . . .
إلخ ؛ أي : محمد صلّى اللّه عليه وسلّم من جملة الرّسل ؛ الذين مضوا قبله ، فكما ثبت أتباعهم على دينهم ، فأثبتوا أنتم على دينكم بعد موته ؛ لأنّ المقصود من بعثة الرسل تبليغ الرّسالة ، وإلزام الحجّة ، لا وجوده بين أظهر قومه .
أَ فَإِنْ ماتَ
محمد صلّى اللّه عليه وسلّم :
أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ
أي : رجعتم إلى دينكم الأول ؟ ! ففيه استعارة تصريحية بالفعل ، وذكرت في قوله تعالى في سورة ( البقرة ) رقم [ 143 ] :
مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ
أنها استعارة تمثيلية ؛ حيث مثّل لمن يرتدّ عن دينه بمن ينقلب على عقبيه . ومثله قوله تعالى في سورة ( الأنفال ) :
فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ .
هذا ؛ والأعقاب : جمع عقب ، وهو مؤخر الرّجل ، وتثنيته : عقبان . قال الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم في حقّ الذين لا يغسلون الأعقاب في الوضوء جيدا : « ويل للأعقاب من النّار ! » .
وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ :
يرجع عن الإسلام .
فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً
وإنما يضرّ نفسه بتعريضها للسخط ، والعذاب ، والانتقام .
وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ . . .
أي : يثبّت اللّه المطيعين ؛ الذين ثبتوا على الإيمان ، ولم يرتدّ عن الإسلام . وهذه الجملة بعد سابقتها فيها اتصال الوعد بالوعيد . ورحم اللّه القرطبي ؛ إذ يقول : هذه الآية أدلّ دليل على شجاعة الصدّيق ، وجراءته ، فإنّ الشّجاعة ، والجرأة حدّهما ثبوت القلب عند حلول المصائب ، ولا مصيبة أعظم من موت النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، كما هو معروف ، فظهرت عنده شجاعته ، وعلمه ، فإن المسلمين اضطربوا عند موت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهاجوا ، وماجوا ، منهم عمر - رضي اللّه عنه - حيث طار صوابه ، وأخذ يقول : من قال : إنّ محمدا قد مات ؛ قطعت رأسه بهذا السّيف ! وعثمان - رضي اللّه عنه - قد أقعد ، وعليّ