تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 231

مساهمون:

ص٢٣١
قال سهل بن عبد اللّه - رحمه اللّه تعالى - : الشكر : هو الاجتهاد في بذل الطاعة مع الاجتناب للمعصية في السرّ ، والعلانية . وقالت طائفة أخرى : الشكر : هو الاعتراف في تقصير الشّكر للمنعم ، ولذلك قال تعالى :
اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً
فقال داود - على نبينا ، وعليه ألف صلاة ، وألف سلام - : كيف أشكرك يا ربّ ؛ والشكر نعمة منك عليّ ؟ فقال تعالى : الآن قد عرفتني ، وشكرتني ؛ إذ قد عرفت : أن الشكر منّي نعمة عليك . وقال موسى - عليه السّلام - : كيف أشكرك ، وأصغر نعمة وضعتها بيدي من نعمك لا يجازي بها عملي كله ؟ فأوحى اللّه إليه : يا موسى ! الآن شكرتني . وقال ذو النون المصري - رحمه اللّه تعالى - : الشكر لمن فوقك بالطّاعة ، ولنظيرك بالمكافأة ، ولمن دونك بالإحسان ، والإفضال . قرطبي بتصرف . هذا ؛ وشكر اللّه يستوجب المزيد من النعم ، قال تعالى في سورة ( إبراهيم ) على نبينا ، وعليه ألف صلاة ، وألف سلام :
لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ .
وجحودها يستوجب سلبها ، وذهابها . قال تعالى في الآية نفسها رقم [ 7 ] :
وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ .
لذا قيل : إنّ الشكر قيد النعمة الموجودة ، وبه تنال النعمة المفقودة . وينبغي أن تعلم : أن فائدة الشكر تعود على الشاكر نفسه ، قال تعالى في سورة ( النّمل ) رقم [ 40 ] :
وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ .
وقال تعالى في سورة ( لقمان ) رقم [ 12 ] :
وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ .
هذا ؛ والشكر مطلوب لكلّ منعم ، ومحسن ، ولو كان من البشر ، لذا فقد ندبنا سيّد الخلق ، وحبيب الحقّ صلّى اللّه عليه وسلّم على أن نشكر من أحسن إلينا من الناس ؛ لذا قال تعالى :
اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ
وخذ ما يلي : فعن جابر بن عبد اللّه - رضي اللّه عنهما - عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، قال : « من أعطي عطاء ، فوجد ؛ فليجز به ، فإن لم يجد ؛ فليثن ، فإنّ من أثنى ؛ فقد شكر ، ومن كتم ؛ فقد كفر ، ومن تحلّى بما لم يعط ؛ كان كلابس ثوبي زور » . أخرجه الترمذيّ . وعن أسامة بن زيد - رضي اللّه عنه - قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « من صنع إليه معروف ، فقال لفاعله : جزاك اللّه خيرا ؛ فقد أبلغ في الثّناء » . وعن النّعمان بن بشير - رضي اللّه عنه - قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « من لم يشكر القليل ؛ لم يشكر الكثير . ومن لم يشكر النّاس ؛ لم يشكر اللّه . والتّحدّث بنعمة اللّه شكر ، وتركها كفر ، والجماعة رحمة ، والفرقة عذاب » . قال الخطابي - رحمه اللّه تعالى - : هذا الكلام يتأول على معنيين : أحدهما : أنّ من كان طبعه كفران نعمة الناس ، وترك الشكر لمعروفهم ؛ كان من عادته كفران نعم اللّه ، عز وجل ، وترك الشكر له . والوجه الآخر : أنّ اللّه تعالى لا يقبل شكر العبد على إحسانه إليه إذا كان العبد لا يشكر إحسان النّاس إليه ، ويكفر معروفهم ؛ لاتصال أحد الأمرين بالآخر . ورحم اللّه من قال : [ الطويل ]
ومن لم يؤدّ الشّكر للنّاس لم يكن * لإحسان ربّ النّاس يوما بشاكر
الإعراب :
وَلَقَدْ :
الواو : حرف قسم وجر ، والمقسم به محذوف ، تقديره : واللّه . والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف ، تقديره : أقسم . هذا ؛ وبعضهم يعتبر ( الواو ) عاطفة . وبعضهم
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 231 | الشيخ محمد علي طه الدرة