تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 224

مساهمون:

ص٢٢٤

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 120 ]

إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ( 120 ) الشرح :
إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ :
تصبكم أيّها المؤمنون . وأصل المسّ : الجسّ باليد ، ثمّ يطلق على كل ما يصل إلى الشيء على سبيل التشبيه ، كما يقال : مسّه نصب ، وتعب ، وهو يأتي للخير ، والشرّ ، قال تعالى في سورة ( الأنعام ) رقم [ 17 ] :
وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ .
و
حَسَنَةٌ :
نعمة ، كنصر ، وغنيمة ، ورخاء عيش ، وخصب بالثّمار ، والزروع .
تَسُؤْهُمْ :
تحزنهم .
وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ :
شرّ ، كهزيمة ، وجدب ، وبلاء ، وأمثال ذلك .
يَفْرَحُوا بِها :
يسرّوا بها . والمعنى في الآية الكريمة إنّ من كان هذا شأنه ، وهذه صفته من شدّة الحسد ، والحقد يفرح بنزول الشّدائد ، ويغتمّ بنزول الخير لم يكن أهلا لأن يتّخذ صديقا ، وبطانة ، تفشى إليه الأسرار ، ويطّلع على بواطن الأمور ، ويركن إليه في هذه الحياة . وللّه درّ القائل : [ الطويل ]
وداريت كلّ النّاس إلّا حواسدي * مداراتهم عزّت وعزّ نوالها
وكيف تداري عنك حاسد نعمة * إذا كان لا يرضيه إلّا زوالها
هذا ؛ وعبر سبحانه بالمسّ في الخير ، وبالإصابة في الشرّ ، وذلك للإشارة إلى أنّ الحسنة تسوء الأعداء الحاسدين ، ولو كانت بأيسر الأشياء ؛ ولو مسّا خفيفا ، وأمّا السيئة ؛ فإذا تمكّنت الإصابة إلى الذي يرثي له الشّامت ؛ فإنّهم لا يرثون ، بل يفرحون ، ويسرّون . ورحم اللّه من يقول : [ البسيط ]
كلّ العداوة قد ترجى إزالتها * إلّا عداوة من عاداك من حسد
هذا ؛ وفي الجملتين من المحسّنات البديعيّة : المقابلة ، حيث قابل الحسنة ، والمساءة بها بالسّيئة ، والفرح بها .
وَإِنْ تَصْبِرُوا
على أذاهم ، وعلى طاعة اللّه ، وموالاة المؤمنين ،
وَتَتَّقُوا
اللّه فيما أمر وفيما نهى .
لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً :
لا يضرّكم مكرهم ، وعداوتهم ، وحسدهم شيئا ؛ لأنكم في حفظ اللّه ، ورعايته ، وعنايته . يقال : ضارّه ، يضوره ضورا ، ويضيره ضيرا .
إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ
أي : هو سبحانه عالم بما يدبّرونه ، ويحيكونه لكم من مكائد ، فيصرف عنكم شرّهم ، ويعاقبهم على نواياهم الخبيثة بما يستحقّون ، فلا يفوتونه ، ولا يعجزونه . يقال : أحاط السّلطان بفلان : إذا أخذه حاصرا من كلّ جهة ، فهو من باب المجاز ، بل هي استعارة تبعيّة في الصّفة ، سارية إليها من مصدرها ، وقال الشاعر : [ الطويل ]
أحطنا بهم حتّى إذا ما تيقّنوا * بما قد رأوا مالوا جميعا إلى السّلم