تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 218

مساهمون:

ص٢١٨
المؤمنين يصافون المنافقين ، ويفشون إليهم الأسرار ، ويطلعونهم على الأحوال الخفيّة ، فنهاهم اللّه عن ذلك . وحجّة هذا القول الآية التالية ، فإنّها من صفات المنافقين . انتهى خازن . هذا ؛ و ( البطانة ) مصدر يطلق على الواحد ، والجمع . وبطانة الرجل : خاصته ؛ الذين يعرفون أسراره ثقة بهم ، شبّهوا ببطانة الثوب ، كما شبهوا في الشّعار في قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « الأنصار شعار ، والناس دثار » ومثل ( البطانة ) :
وَلِيجَةً :
المذكورة في سورة ( التوبة ) رقم [ 16 ] . قال الشاعر : [ الطويل ]
أولئك خلصائي نعم وبطانتي * وهم عيبتي من دون كلّ قريب
فقد نهى اللّه عز وجل المؤمنين في هذه الآية أن يتخذوا من الكفّار ، والمنافقين دخلاء ، وولجاء ، يفاوضونهم في الآراء ؛ لأن الإنسان يلوث بهم ، وينسب إليهم ، قال طرفة بن العبد في معلّقته : [ الطويل ]
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه * فكلّ قرين بالمقارن يقتدي
إذا كنت في قوم فصاحب خيارهم * ولا تصحب الأردى فتردى مع الرّدي
وفي سنن أبي داود عن أبي هريرة - رضي اللّه عنه - عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، قال : « المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل » . وانظر ما ذكرته في الآية رقم [ 28 ] فإنّه جيد . والحمد للّه ! وقد انقلبت الأحوال في هذه الأيّام ، فاتّخذ المسلمون أحبابا ، وأعوانا ، وأنصارا من الكافرين ، والمنافقين . وخذ ما يلي : فقد روى البخاريّ ، والنّسائي عن أبي سعيد الخدريّ - رضي اللّه عنه - : أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « ما بعث اللّه من نبيّ ، ولا استخلف من خليفة ، إلّا كانت له بطانتان : بطانة تأمره بالخير ، وتحضّه عليه ، وبطانة تأمره بالشّرّ ، وتحثّه عليه ، والمعصوم من عصمه اللّه » . وقيل لعمر - رضي اللّه عنه - : إنّ هاهنا غلاما من أهل الحيرة ، حافظ كاتب ، فلو اتّخذته كاتبا ، فقال : قد اتخذت إذا بطانة من دون المؤمنين . ففي هذا الأثر مع هذه الآية دليل على : أنّ الكافرين لا يجوز استعمالهم في الكتابة ، التي فيها استطالة على المسلمين ، واطّلاع على دواخل أمورهم ؛ التي يخشى أن يفشوها إلى الأعداء من أهل الحرب . ومعنى
مِنْ دُونِكُمْ :
من سواكم ، من غيركم . قال الفرّاء في قوله تعالى :
لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذلِكَ
أي : سوى ذلك .
لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا :
لا يقصّرون فيما فيه الفساد عليكم ، ولا يتوانون في إيصال الضّرر إليكم . هذا ؛ ويقال : لا آلو جهدا ؛ أي : لا أقصّر ، قال امرؤ القيس ، أمير الشعراء ، وحامل لوائهم إلى النار : [ الطويل ]
وما المرء ما دامت حشاشة نفسه * بمدرك أطراف الخطوب ولا آل