والقول الثاني : أنّ بياض الوجوه ، وسوادها حقيقة فيهما ، والحكمة في بياض الوجوه وسوادها : أن أهل الموقف إذا رأوا بياض وجه المؤمن ؛ عرفوا أنه من أهل السّعادة ، وإذا رأوا سواد وجه الكافر ، والمنافق ؛ عرفوا : أنه من أهل الشقاوة ، وبين كلمتي ،
تَبْيَضُّ ،
و (
تَسْوَدُّ
) طباق ، وهو من المحسّنات البديعية .
فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ . . .
إلخ . اختلف العلماء في هؤلاء ، فروي عن أبيّ بن كعب - رضي اللّه عنه - : أنه قال : أراد به الإيمان يوم أخذ الميثاق حين قال لهم في عالم الذّرّ :
أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى
فآمن الجميع في ذلك الحين ، فكلّ من كفر بعد بلوغه ؛ فقد كفر بعد الإيمان . وقال الحسن البصري - رحمه اللّه تعالى - : هم المنافقون ، وذلك أنهم تكلّموا بالإيمان بألسنتهم ، وأنكروه بقلوبهم ، وقال عكرمة - رحمه اللّه تعالى - : هم أهل الكتاب ، وذلك : أنهم آمنوا بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم قبل مبعثه ، فلمّا بعث ؛ أنكروه ، وكفروا به . وقيل : هم الذين ارتدّوا بعد وفاة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . وقيل : هم الخوارج ، والملل ، والنحل الّتي شذّت ، وزيّن لهم الشيطان سوء أعمالهم ، فيكون في الكلام إخبار بما سيقع بعد وفاة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم . وخذ ما يلي :
فعن ابن مسعود - رضي اللّه عنه - قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أنا فرطكم على الحوض ، وليرفعنّ إليّ رجال منكم حتّى إذا أهويت إليهم لأنالهم ؛ اختلجوا دوني ، فأقول : أي ربّ ! أصحابي ! فيقول : إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك » . متّفق عليه . وعن زيد بن وهب - رضي اللّه عنه - :
أنّه كان في الجيش الذين كانوا مع عليّ كرم اللّه وجهه لمّا سار إلى الخوارج ، فقال عليّ - رضي اللّه عنه - : أيها الناس ! إنّي سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « يخرج قوم من أمّتي ، يقرؤون القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء ، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء ، ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء ، يقرؤون القرآن ، وهم يحسبون : أنّه لهم ، وهو عليهم ، لا تجاوز صلاتهم تراقيهم ، يمرقون من الإسلام كما يمرق السّهم من الرّميّة » . متفق عليه ، ويزاد في رواية أخرى : « فأينما لقيتموهم ، فاقتلوهم ، فإنّ في قتلهم أجرا لمن قتلهم عند اللّه يوم القيامة » . والأحاديث في ذلك كثيرة .
فَذُوقُوا الْعَذابَ . . .
إلخ : هذا الأمر للإهانة ؛ أي : يقال لهم : ذوقوا جزاء كفركم . هذا ؛ والذوق يكون محسوسا ، ومعنى ، وقد يوضع موضع الابتلاء ، والاختبار ، تقول : اركب هذا الفرس ، فذقه . وانظر فلانا ؛ فذق ما عنده . قال الشمّاخ يصف قوسا : [ الطويل ]
فذاق فأعطته من اللّين جانبا * كفى ولها أن يفرق السّهم حاجز
وقد يعبّر بالذّوق عمّا يطرأ على النفس ، وإن لم يكن مطعونا لإحساسها به كإحساسها بذوق المطعوم ، قال عمر بن أبي ربيعة المخزومي : [ الطويل ]
فذق هجرها إن كنت تزعم أنّها * فساد ألا يا ربّما كذب الزّعم