تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 296

مساهمون:

ص٢٩٦

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 115 ]

وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ ( 115 ) الشرح :
وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ :
موضع الشّروق .
وَالْمَغْرِبُ :
موضع الغروب ، أي : هما للّه ملك ، وما بينهما من الجهات ، والمخلوقات بالإيجاد ، والاختراع ، وخصّهما بالذّكر ، والإضافة إليه تشريفا ، نحو بيت اللّه ، وناقة اللّه . هذا ؛ وفي سورة ( الرّحمن ) قوله :
رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ
أي : مشرقي الشّتاء والصّيف ، ومغربيهما ، وقال تعالى في سورة ( المعارج ) :
فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ إِنَّا لَقادِرُونَ
فقد جمع المشرق ، والمغرب كما ترى باعتبار مشارق الشمس ، ومغاربها في السّنة ، وهي ثلاثمئة وستون ، تشرق الشمس كلّ يوم في واحد منها ، وكذا تغرب في واحد منها . هذا ؛ وتقديم المشرق في جميع حالاته على المغرب يوحي بأفضليته عليه . هذا ؛ وكان من حق المشرق والمغرب فتح العين ، وهي الراء فيهما ؛ لأن المصدر الميمي ، واسمي الزمان ، والمكان ، إذا أخذ أحدهما من فعل ثلاثي ، مفتوح العين ، أو مضمومها في المضارع أن يكون بفتح العين قياسا ، ولكن التلاوة جاءت بكسرها ، وأيضا جاء كثير بكسر العين ، وهو مذكور في كتب النّحو ، من ذلك : المسجد ، والمنبت ، والمسقط ، والمرفق ، والمنخر ، والمجزر . والتّحقيق : أنّها أسماء نوعيّة ، غير جارية على فعلها ، وإلا ؛ فلا مانع من الفتح .
تُوَلُّوا :
تتّجهوا في صلاتكم ، وقرأ الحسن : ( تولّوا ) بفتح التاء ، واللام ، والأصل : « تتولوا » . و ( ثم ) بفتح الثاء ظرف مكان بمعنى هناك ، وانظر الآية رقم [ 56 ] .
وَجْهُ اللَّهِ :
جهته التي ارتضاها قبلة ، وأمر بالتوجّه إليها ، وقال الحذاق من علماء القرآن والسنة : ذلك راجع إلى الوجود ، والعبارة عنه بالوجه من مجاز الكلام ؛ إذ كان الوجه أظهر الأعضاء في الشّاهد ، وأجلها قدرا ، وقال ابن عباس - رضي اللّه عنهما - : الوجه : عبارة عنه عز وجل ، كما قال :
وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ
وقيل : الوجه القصد ، كما قال الشاعر : [ البسيط ]
أستغفر اللّه ذنبا لست محصيه * ربّ العباد إليه الوجه والعمل
هذا ؛ واختلف في المعنى الذي أنزلت فيه الآية على ثلاثة أقوال : الأول : أن الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم لمّا هاجر إلى المدينة المنوّرة ؛ أمر بالتوجّه إلى بيت المقدس في صلاته ستة عشر ، أو سبعة عشر شهرا ، ثمّ صرفه اللّه إلى الكعبة ، ولهذا يقول تعالى :
وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ
. عن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - قال : كان أوّل ما نسخ من القرآن القبلة ، وانظر الآية رقم [ 144 ] الآتية ؛ ففيها البحث كاف واف . الثاني : قال قوم : بل نزلت هذه الآية على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إذنا من اللّه تعالى أن يصلّي المتطوع حيث توجه من شرق ، أو غرب في سفره ؛ لما روي عن ابن عمر - رضي اللّه عنهما - : أنه كان يصلي حيث توجهت به راحلته ، ويذكر : أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يفعل ذلك ، ويتأوّل هذه الآية :
فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ .