تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 299

مساهمون:

ص٢٩٩
وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ .
وَإِذا قَضى أَمْراً :
أي : إذا أراد إحكامه ، وإتقانه كما سبق في علمه ؛ فإنما يقول له : كن فيكون ، احدث ، فيحدث ، وليس المراد حقيقة أمر ، بل هو تمثيل ما تعلّقت به إرادته تعالى بلا مهلة بطاعة المأمور ، والمطيع بلا توقّف . انتهى بيضاوي . قال الشاعر : [ الطويل ]
إذا ما أراد اللّه أمرا فإنّما * يقول - له التنزيه - كن فيكون
تنبيه : قال الشيخ أبو منصور - رحمه اللّه تعالى - القضاء يحتمل الحكم ، كقوله تعالى :
لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا *
أي : ليحكم ما قد علم : أنه يكون كائنا ، أو ليتم أمرا كان قد أراده ، وما أراد كونه فهو مفعول لا محالة ، انتهى . هذا ؛ والماضي : « قضى » والمصدر « قضاء » بالمد ؛ لأن لام الفعل ياء ؛ إذ أصل ماضيه : « قضي » بفتح الياء ، فقلبت ألفا لتحرّكها ، وانفتاح ما قبلها ، ومصدره : « قضيا » بالتّحريك كطلب طلبا ، فتحركت الياء فيه أيضا ، وانفتح ما قبلها ، فقلبت ألفا ، فاجتمع ألفان ، فأبدلت الثانية همزة ، فصار : قضاء ممدودا ، وجمع القضاء : أقضية ، كعطاء ، وأعطية ، وهو في الأصل : إحكام الشيء ، وإمضاؤه ، والفراغ منه ، كما في قول الشاعر ، وهو الشّاهد رقم [ 179 ] من كتابنا : « فتح القريب المجيب » : [ الخفيف ]
وجهك البدر لا بل الشّمس لو لم * يقض للشّمس كسفة أو أفول
وقال الشمّاخ في عمر - رضي اللّه عنه - : [ الطويل ]
قضيت أمورا ثمّ غادرت بعدها * بوائق في أكمامها لم تفتق
ويكون بمعنى الأمر ، كما في قوله تعالى :
وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً .
وبمعنى العلم ، تقول : قضيت بكذا ، أي : أعلمتك به ، وبمعنى الإتمام ، قال تعالى :
فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ .
وبمعنى الفعل ، قال تعالى ، حكاية عن قول السّحرة لفرعون :
فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ
وبمعنى الإرادة ، وهو كثير كقوله تعالى :
فَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ .
وبمعنى الموت ، كقوله تعالى حكاية عن قول أهل النّار :
وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ .
وبمعنى الكتابة ، قال تعالى :
وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا
أي : مكتوبا في اللّوح المحفوظ . وبمعنى الفصل ، قال تعالى :
وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ .
وبمعنى الخلق ، كقوله تعالى :
فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ .
وبمعنى بلوغ المراد ، والأرب ، قال تعالى :
فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها .
وبمعنى وفاء الدّين تقول : قضى فلان ما عليه إذا ما أوفى ذمته ، وأبرأها مما عليه من ديون . انتهى قسطلاني في شرح البخاري ، بتصرف . أضيف : أنه يكون بمعنى : أوحينا ، كقوله تعالى :
وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ .
قال القرطبيّ - رحمه اللّه تعالى - : فإذا كان القضاء يحتمل هذه المعاني ؛ فلا يجوز إطلاق القول بأنّ المعاصي بقضاء اللّه تعالى ؛ لأنّه إن أريد به الأمر ؛ فلا خلاف : أنه لا يجوز ذلك ؛