تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 615

مساهمون:

ص٦١٥
فهي في نظر الفلاسفة موجودة بالقوة لا بالفعل ، في حين أن الإنسان الكامل هو الذي يجعل ما هو موجود بالقوة موجودا بالفعل ، يقول أرسطو : الجوهر سابق على ما عداه من المقولات ، لأن الجواهر توجد مفارقة ، بينما الكيفيات لا توجد إلا بوصفها كيفيات لجواهر ، وآدم ممثل النوع الإنساني هو مجموع الكيفيات التي لا بد لها من كم لتظهر ، ولهذا فضل آدم على ملائكته المعقولات لأنها به تظهر وتعلم . وقوله :
الْقِسْطَ
يعني كون المعقول مشحونا بكيف محدد ، ولهذا قال النبي في نسم آدم الموجودين عن يمينه في الأزل ، ونسمه الموجودين عن شماله ، فالموازين القسط اتخاذ المعقولات أشكالا وأنماطا محددة في ميدان الوجود الكلي ، وهذا ما عبر عنه سبحانه بقوله في موضع آخر :
لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ
[ يونس : 64 ] . وقوله :
فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً
يعني أن النفس لا تطالب بغير ما شحنت به من معقول ، وهذا عدل إلهي يقتضي أن يكون أصحاب الجنة في الجنة وأصحاب النار في النار أزلا . . . وشرح ابن عربي جوهر هذا العدل قائلا في عذاب أهل النار إنه يسمى عذابا من عذوبته ، أي أن أصحاب النار يستعذبون النار لأنهم من جنسها وطبيعتها ، وقال عليه السّلام الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر . وقوله :
وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها ،
يعني الإحاطة ، وهذا طبيعي ما دامت الأسماء في القبضة ، مشعة عن القبضة ، والقبضة الروح والعقل والعاقل والمعقول جميعا . وقوله :
وَكَفى بِنا حاسِبِينَ
[ الأنبياء : الآية 47 ] إشارة إلى العدد ، وأساس العدد الواحد ، ثم التسعة المنبثقة عن الواحد ، وكنا أشرنا إليها من قبل ، ثم التسعة والتسعون اسما التي إن أحصاها الإنسان دخل الجنة كما جاء في الحديث ، والمهم القول إن اللّه هو الحاسب ، لأنه هو أصل الواحد ومنه يشتق العدد بدءا من الاثنين كما جاء في الرياضيات ، وكونه سبحانه حاسبا يعني أنه محيط ، وهذا بدهي لأنه هو الأول باعتبار الواحد ، وهو الآخر باعتبار مالا نهاية له من الأعداد .

[ سورة الأنبياء ( 21 ) : آية 48 ]

وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ ( 48 ) [ الأنبياء : 48 ] موسى وهارون إشارة إلى علمي الشريعة والحقيقة ، وكليهما يؤتى الإنسان الكامل ، ولهذا ورد في الآية ذكر الفرقان الذي هو فرق القرآن ، أو الفرق الثاني كما تقول الصوفية ، وفيه يعود الإنسان من عين الجمع ليباشر الدعوة إلى التوحيد ، وهو الضياء الذي ذكر في الآية وفيه يتقي