تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 614

مساهمون:

ص٦١٤
السبب والمسبب بإذن الرحمن ، فالرحمن هو المبعد المقرب ، ولما كان الإنسان تعين اسمه ، سماعا لخاطره ، كان بالتالي غافلا عن حقيقة أن اللّه من وراء كل شيء محيط ، وأنه أحاط بالكافرين خبرا ، وأبعدهم قسرا وأزلا تحقيقا لقصد إلهي تحقق في الصراع والتناقض .

[ سورة الأنبياء ( 21 ) : آية 44 ]

بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَ فَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَ فَهُمُ الْغالِبُونَ ( 44 ) [ الأنبياء : 44 ] الأرض بمثابة البدن ، وإنقاصها من أطرافها إحاطتها بالروح الكلي الفاعل الذي إن تجلى جعل جبل البدن دكا ، وخر صاحبه صعقا ، كما حدث لموسى لما تجلى ربه للجبل .

[ سورة الأنبياء ( 21 ) : آية 45 ]

قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا ما يُنْذَرُونَ ( 45 ) [ الأنبياء : 45 ] ذكرنا أن الوحي درجات تبدأ بالضمير ، وعلى المستوى النفسي ليس ثمة من موح إلا اللّه كما قال سبحانه ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها . وقوله :
وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ ،
يعني أن الكافر لا يسمع صوت الهدى وإن تردد في سمعه عن طريق خواطره ، والسبب أن الإنسان كما قلنا عبد اسمه ، حبيس أبوابه المغاليق ، فقلب الكافر يميل إلى صوت الكفر وحديثه وأصحابه ، ولهذا قال الشاعر إن الطيور على أشكالها تقع .

[ سورة الأنبياء ( 21 ) : آية 46 ]

وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ ( 46 ) [ الأنبياء : 46 ] خلق الإنسان ضعيفا ، وما دام أصله ذرا ، وأصله الروح ، والفاعل فيه وبه الروح ، كانت أصغر مصيبة تصيبه تجعله يرجع مباشرة إلى الروح فيه فيستغيث ويستنجد ، ويعلم أنه كان ظالما بإعراضه عن سماع الضمير .

[ سورة الأنبياء ( 21 ) : آية 47 ]

وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ ( 47 ) [ الأنبياء : 47 ] الموازين الأعيان الثابتة ، وهي الجسر بين الحق والخلق ، فهي المعقولات التي لا هي موجودة ولا هي مفقودة ، والتي ما كانت لتوجد لولا وجود الإنسان ، وهذا هو السبب الذي من أجله طلب اللّه إلى الملائكة السجود لآدم ، لأن الملائكة تمثل المعقولات الخالصة من غير تعين .
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 614 | محمد غازي عرابي