[ الأنبياء : 69 ، 77 ]
جاهد إبراهيم عليه السّلام قومه وتماثيل العالم الظاهري حتى أتاه اليقين ، وكان جهاده فطرة فطره اللّه عليها حيث سبق أن قلنا إن الجهاد فريضة بل ضريبة من دونها لا يمكن فتق المعقولات وإخراج ما فيها من ضنائن ، والمجاهد حين يجاهد يكون قد حقق ما قاله العارف باللّه أرسلان الدمشقي الإيمان خروجك عنهم ، ومع هذا فالمجاهد واقف مع أناه ، ومن دون هذا الوقوف لا يمكنه أن يجاهد ، فالمجاهد يقول أنا جاهدت ، أنا بذلت ، أنا ضحيت ، وهذا أمر بدهي ما دام المجاهد مدعوا للجهاد من قبل الحق ، فالمجاهد اتخذ موقفا من العالم الخارجي وشطره شطرين ، أي أنه عرف بالجهاد من يجاهد ، وميز الخير من الشر ، والخبيث من الطيب ، والمؤمن من المنافق ، فكان هو مثال الخير والعدل والإيمان وهذا المقام هو الذي أشار إليه سبحانه قائلا :
قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ
[ الحجرات : 14 ] . أما اليقين فهو كما عرفه أرسلان الدمشقي قائلا : اليقين خروجك عنك ، ففي هذا المقام يتحول المجاهد من مجاهدته العالم الخارجي ونفسه الأمارة إلى قلبه الذي ضاء فيه نور اليقين في فجر اليقين ، وهذا ما أشار إليه سبحانه في سورة النصر فقال :
إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ( 1 ) ،
وقال الإمام الغزالي : لما أشرقت شمس الوصول على مصابيح الأصول تبين الحق لأرباب البصائر وأن كل إلى ما طبع عليه راجع وصائر .
وبعد ، فما اليقين ؟ إنه التحول من الفكر ، أي العقل العادي ، إلى القلب أي الشعور والوجدان حيث اللّه حاضر هناك يدعو عبده إليه ، وعندما يدخل العبد هذا المحراب معتكفا ، كما فعل زكريا وكما فعلت مريم عليه السّلام ، فإن القلب ينار ، ونوره أصيل قديم عليم يعلم الإنسان ما لا يعلم .
وما الذي يتعلمه الإنسان من الوجدان ؟ أولا يعلم أن لفكره فكرا آخر هو جوهر الفكر كما قال جلال الدين الرومي . . . أي أنه يكشف وجود الروح فيه ، القائم بالأمر وبفعل كن ، وما يتعلمه أيضا أن هذا الروح هو المطاع في الوجودين الظاهري والباطني ، وذلك أن يطلع المكاشف كشفا وذوقا وسماعا عن طريق التكليم الذاتي أن للّه الخير والشر ، وأنه ما خلق شيئا عبثا ، وأنه ما خلق الإيمان والكفر سدى ، وأنه ما جعل النفس الأمارة أمارة بلا جدوى . وأنه