تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 613

مساهمون:

ص٦١٣

[ سورة الأنبياء ( 21 ) : آية 40 ]

بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ ( 40 ) [ الأنبياء : 40 ] الخبر الوارد في الآية كشفي ، إذ يفيد ما سيقع في المستقبل ، والمستقبل وأحداثه في علم اللّه الأزلي ، والنار هنا نار الوجود نفسه ، والإنسان يشعر بأنه موجود ، ويعيش هذا الشعور منذ ساعة مولده ، ثم يتطور الشعور إلى وعي ، ثم يتفتق الوعي نفسه ولهذا قال ديكارت : أنا أفكر إذن أنا موجود . والوجود سابق على الفكر ، وسبق أن شرحنا هذا في كتابنا الإنسان الكبير مبينين أن المجنون موجود ، والخرف موجود ، والحيوان موجود ، والنبات موجود ، فللوجود الأسبقية ، ولما خلق الإنسان من العدم فالعدم أصله ، واكتسابه الوجود خلعة خلعها الوجود الحق عليه ، ولهذا فرقت الصوفية بين الوجود والموجود ، فالوجود الأصل والموجود التلبس بالوجود ، والكافر الذي يحيا وجوده ويشعر به هو كالسارق قد أخذ ما ليس له ، وادعى ما ليس ملكه ، وفي الكشف ، سواء أكان كشف العارفين ، أو الكشف الذي يحدث ساعة الموت ، يرى الإنسان كيف أن وجوده لباس له ، وأنه في الكشف عار من هذا اللباس ، وأن اللّه استعاد عاريته التي هي الوجود الحق ، ولهذا جاء في الآية التاسعة والثلاثين أن النار تأتي الكافرين من وجوههم ومن ظهورهم ، والوجه حقيقة الإنسان ، والظهر ظهوره وتعينه ، وعندما يكاشف الإنسان بهذه الحقيقة يبهت ، ولا يستطيع رد ما يرى ، وكيف يرد ما يرى ، وما يراه ليس إلا حقيقته نفسها وقد انفصلت عنه ، وردت إلى اللّه صاحب العارية ؟

[ سورة الأنبياء ( 21 ) : آية 41 ]

وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ( 41 ) [ الأنبياء : 41 ] الإحاقة إحاقة الاسم بالموجود المسمى ، ولهذا جاءت الإحاقة بمعنى نزلت والاسم نازل بصاحبه علم هذا أم جهل ، والكافر محكوم منذ نفخ فيه ، كذا قال عليه السّلام في الغلام الذي قتله العبد الصالح ، ولهذا لما حزن رسول اللّه على الذين لم يستجيبوا لدعوته ، ومنهم عمه أبو طالب ، كان جوابه تعالى :
وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً
[ يونس : 99 ] ، وقال :
فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ
[ الأنعام : 149 ] .

[ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 42 إلى 43 ]

قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ ( 42 ) أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ ( 43 ) [ الأنبياء : 42 ، 43 ] في الآية لطيفة ألا وهي كون العذاب النار هو من اللّه ، وكنا قد ذكرنا أن الاسم هو
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 613 | محمد غازي عرابي