تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 528

مساهمون:

ص٥٢٨
الدعاء بالغداة والعشي الخروج إلى عالم المحسوسات لتحصيل المعلومات منه ، وضرب في الفلسفة مثل فقيل : لولا رؤية الورق الأخضر ما عرف الإنسان اللون الأخضر ، فرؤية الأوراق الخضر انطباع محسوس ينجم عنه تجريد هو معرفة اللون الأخضر ، فالمحسوسات تفضي إلى المشعورات ، والمشعورات تفضي إلى معرفة الصور ، ومعرفة الصور تفضي إلى تجريد كلي لهذه الصور ، مثلما يرى النائم في نومه منامات فلا يعرف تعبيرها . . . أما المعبرون فهم الذين دعوا في الآية بأنهم يدعون ربهم بالغداة والعشي ، فالدعاء بالعشي العودة إلى الأخذ من العالم الباطني عن طريق استخدام الصور المجردة التي تجهل العامة تعبيرها ، وتعلم تأويل الأحاديث بها ومن خلالها كما حدث ليوسف الذي علمه ربه تأويل الأحاديث وتعبير الأحلام . وقوله :
يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ،
يعني أنهم يريدون معرفته سبحانه عن طريق معرفة الصور ، أي صوره ، أي صور الموجودات لأننا قلنا إن صور الوجود هي صوره أي صورة وجهه أو حقيقته باعتبار الوجه حقيقة الشيء . وقوله :
تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا ،
يعني الانصراف عن نشدان الحقيقة الإلهية وتعرف اللّه . . . وسبق القول بالقول :
وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ ،
أي عن طالبي الحق وهم الفقراء إليه ، وثمة لطيفة في تتابع القولين ، وهو ما عبر عنه صلّى اللّه عليه وسلّم قائلا : ( من طلب الدنيا طلبته الآخرة ، ومن طلب الآخرة طلبته الدنيا حتى يستوفي منها رزقه . . . ) والمعنى أن اللّه بالمرصاد ، فمن طلب الدنيا أكلته الدنيا ، ذلك لأن عبادة الصور تفضي إلى الوقوع في أسر الصور ، فعباد المال عبيده ، وكذلك عبيد الجاه والشهوات والرياسة ، فالقلب كيفما ملأته امتلأ ، فإن ملأته بالمال شغل بالمال ، وإن ملأته بالشهوات شغل بالشهوات فطالبو الدنيا سجناؤها ، واللّه لا يريد لعباده الكمل إلا أن يكونوا عبيدا له هو وذلك لا يتحقق إلا بمعرفته .

[ سورة الكهف ( 18 ) : آية 29 ]

وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقاً ( 29 ) [ الكهف : 29 ] الآية تتمة لما سبقها ، فالنار الحجاب ، والسرادق هذه الآمال الكاذبة التي يخدع الإنسان سرابها ، فيظنه ماء فإذا جاءه لم يجده شيئا ، وطالبو الدنيا ما يزالون ينهلون فلا يرتوون كظمآن يشرب ماء البحر فيزداد عطشا .

[ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 30 إلى 31 ]

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً ( 30 ) أُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ نِعْمَ الثَّوابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً ( 31 )