تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 526

مساهمون:

ص٥٢٦
أن الفكر الإنساني الذي سبق أن قلنا إنه شعاع الفكر الإلهي يبقى جزئيا محصورا في نطاق الزماكان ، والزمان والمكان يحكمان فلا سبيل إلى الحكم على المستقبل إلا من قبل اللّه لا الإنسان . . . ذلك لأن مقولتي الزمان والمكان مع مقولة صراع الأضداد داخلة في الجبر والقهر الإلهيين ، فاللّه يعلم ما وقع ، ويعلم ما سيقع باعتبار الأحداث الوجودية نشرا لما هو مطوي أولا ولأن القهر الإلهي هو الحاكم أولا وآخرا . . . وعليه فالإنسان كفرد جزئي لا يستطيع أن يقول لشيء إني فاعل ذلك غدا ، لأن الغد من شأن اللّه وسبحانه كل يوم هو في شأن ، إن شاء حقق ما شاء ، وإن لم يشأ حاجز بين الإنسان وتحقيق مشيئته .

[ سورة الكهف ( 18 ) : آية 25 ]

وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً ( 25 ) [ الكهف : 25 ] ذهب ابن عربي في تفسيره لثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا مذهبا في كتابه « تفسير القرآن » ، وقيل إن مؤلف هذا الكتاب القاشاني ، وجاء فيه : أن الثلاث مائة هي غير السنين إذ ثمة فاصل بينهما ، لأنه لو لم يكن ثم فاصل لكان سبحانه قال ثلاث مائة سنة لا سنين . . . ثم أول الثلاث مائة على أساس أنها شهور لا أعوام ، وأنها شهور قمرية لا شمسية ، وخرج من تأويله بنتيجة مفادها أن زمن الكشف هو مثل ميقات ظهور النبوة وهو يقارب الأربعين سنة ، وهو حاصل الثلاث مائة شهر قمري بالإضافة إلى السنين التسع ، وما دمنا قلنا : إن البدن هو الكهف ، وإن الوجود كله كهف كبير ، فالنتيجة أنه ليس في الكهف إلا اللّه ، والكهف نفسه هو هذه الظهورات من الجماد والنبات والحيوان وأخيرا الإنسان . . . أما ظهور النبوة وظهور الولاية فهو ظهور اللّه من الكهف ، ولهذا قيل في ابن عربي : إن اللّه ظهر فيه باعتباره الوجود المطلق وباعتبار ابن عربي الوجود المقيد ، وقال أبو الفضل القرشي في المسيح عليه السّلام : يمكن أن يكون المراد أن اللاهوت ظهر في المسيح وهذا لا يستلزم الكفر ، وأنه لا إله إلا اللّه .

[ سورة الكهف ( 18 ) : آية 26 ]

قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً ( 26 ) [ الكهف : 26 ] قوله سبحانه :
أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ
موجه إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهو صيغة تعجب بمعنى ما أعظم سمع اللّه ، وما أبصره باعتبار أن النبي قد قرب نجيا ، وكلم تكليما ، وكشف عن عينيه الغطاء فصار بصره حديدا ، وكانت نتيجة هذا الكشف أن النبي صار عارفا باللّه ومحدّثا ، بل إنه صار ناسوتا حوى اللاهوت فصار لسان اللاهوت الناطق ، وحاز من ثم مرتبة الحديث القدسي أي الإلهي ، أي صار اللّه هو المتكلم بلسانه ، ولهذا قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في الحديث القدسي : ( ما يزال العبد يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته صرت