تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 531

مساهمون:

ص٥٣١
تتراءى في التفاصيل الصغيرة القليلة التي تستطيع إدراكها عقولنا الضعيفة العاجزة ، وهو إيماني العاطفي العميق بوجود قدرة عاقلة مهيمنة تتراءى حيثما نظرنا في هذا الكون المعجز للأفهام ، وقال ميلر : الإنسان لا يخلق شيئا من عنده وبنفسه ، كل شيء قد خلق من قبل . . . كل شيء قد جرى التنبؤ به ، ومع هذا فهناك الحرية ، حرية أن تنشد مدائح اللّه وهي أسمى ما يستطيع الإنسان القيام به ، وهو حين يقوم بهذا يتخذ موضعه إلى جانب خالقه ، هذا الأمر هو حريته وخلاصه ، اللّه خلق الموسيقى ، واللّه يقود الأوركسترا ، ودور الإنسان أن يؤدي الموسيقى بجسده ، موسيقى سماوية ، وإلا فهي متنافرة النغمات ، وقال لا مارتين : يبحث الشعراء عن العبقرية في مكان بعيد ، بينما هي تكمن في القلب ، وإن بعض النغمات البسيطة إذا ما عزفت مصادفة بخشوع على هذه الآلة التي أبدع الخالق صنعها بنفسه ، فإنها تكفي لاستدرار عبرات جيل بكامله ، ولتصبح شاملة ، كالحب ، وذات تأثير كالحنان ، فالسمويضني ، والجمال يخدع ، ولكن ما يؤثر في الفؤاد وله وحده العصمة في الفن ، وقال ميلر عن اللّه : هذا الإله الذي هو قوة الإنسان ليس إلها مسيحيا ولا إلها وثنيا ، إنه إله يستطيع بلوغه كل جنس وطائفة وثقافة ، إله يمكن أن يوجد في كل مكان وفي كل زمان دون حاجة إلى الوساطة . . . إنه الخلق نفسه ، وسيظل يوجد سواء آمن الإنسان به أو لم يؤمن ، وقالت مي زيادة : إذا كنت عبقريا كن سعيدا ، فقد تجلى فيك شعاع ألمعي من المقام الأسنى ، ورمقك الرحمن بنظرة انعكست صورتها على جبهتك فكرا ، وفي عينيك طلسما ، وفي صوتك سحرا ، والألفاظ التي هي عند الآخرين أصوات ونبرات ومقاطع ، صارت بين شفتيك وتحت لمسك نارا ونورا ، تلذع وتضيء ، وتحرق وتهنئ ، وتخجل وتكبر ، وتذل وتنشط ، وتوجع وتلطف ، وتسخط وتدهش ، وتقول للمعنى كن فيكون ، وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : ( سألني ربي فلم أستطيع أن أجيبه فوضع يده بين كتفي بلا تكييف ولا تحديد فوجدت بردها ، فأورثني علم الأولين والآخرين ، وعلمني علوما شتى ، فعلم أخذ علي كتمانه إذ علم أنه لا يقدر على حمله أحد سواي وعلم خيرني فيه ) .

[ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 39 إلى 44 ]

وَلَوْ لا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالاً وَوَلَداً ( 39 ) فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْباناً مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً ( 40 ) أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْراً فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً ( 41 ) وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً ( 42 ) وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مُنْتَصِراً ( 43 ) هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَواباً وَخَيْرٌ عُقْباً ( 44 ) [ الكهف : 39 ، 44 ] تذكر الآيات باللقاء الذي جرى بين ابن رشد وابن عربي والذي ذكرناه في كتابنا « الإنسان