تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 529

مساهمون:

ص٥٢٩
[ الكهف : 30 ، 31 ] الفريق الآخر هم المؤمنون الذين هم في الجنة ، ولقد تحدثنا عن الجنات وعددها ، والجنات الواردة في الآية هي جنة العلم لأنها وصفت بأن فيها أنهارا تجري من تحت أصحابها ، والماء بالنسبة للإنسان حياته ، وحياة الإنسان الحقيقية العلم عامة والعلم باللّه خاصة ، فهؤلاء المقربون نجيا وإلهاما وتكليما وكشفا وذوقا يحلون أساور من ذهب ، أي أنهم صاروا هم من معدن الذهب الذي هو تاج المعادن وزينتها ، وذلك لأنهم صاروا علماء عارفين أولياء متقين ، متكئين على أرائك الصفات الإلهية ، لأن الكامل من كملت صفاته ، ولا يكمل الإنسان إلا بعد أن يسبغ ربه عليه من صفاته الذاتية ، وصفاته الذاتية ينبوع الخير والجمال والكمال ، وهذا ما وصف في الآية بأنه ثياب خضر ، والثوب الصفة ، والخضرة الحياة ، فالصفات التي يلبسها القلب العارف صفات حية خضراء ، وهي هي صفات الحق سبحانه نفسه ، ولهذا ذكر الإمام الغزالي في كتابه تهافت الفلاسفة أنه قرأ كتب الفلاسفة ، واستمع مناقشات علماء الكلام ، ورأى من حوله الخلاف بين الطوائف والفرق فحار . . . فأين الحقيقة ، ومن أربابها ؟ . إلى أن عرف الصوفية وتصفح أخلاقهم فقال : علمت يقينا أن الصوفية هم السالكون لطريق اللّه تعالى خاصة ، وأن سيرتهم أحسن السير ، وطريقهم أصوب الطرق ، وأخلاقهم أزكى الأخلاق ، بل لو جمع عقل العقلاء وحكمة الحكماء وعلم الواقفين على أسرار الشرع من العلماء ليغيروا شيئا من سيرهم وأخلاقهم ، ويبدلوه بما هو خير منه ، لم يجدوا إليه سبيلا ، فإن جميع حركاتهم وسكناتهم في ظاهرهم وباطنهم مقتبسة من نور مشكاة النبوة ، وليس وراء النبوة على وجه الأرض نور يستضاء به ، ولقد أفضى التصديق بالقوم بالغزالي إلى العلم فالذوق فالعرفان .

[ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 32 إلى 38 ]

وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً ( 32 ) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً ( 33 ) وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالاً وَأَعَزُّ نَفَراً ( 34 ) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً ( 35 ) وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً ( 36 ) قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَ كَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً ( 37 ) لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً ( 38 ) [ الكهف : 32 ، 38 ]