تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 527

مساهمون:

ص٥٢٧
سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ورجله التي يمشي بها ويده التي يبطش بها ) ، فأنت ترى أن ثم تطابقا بين قوله تعالى :
أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ
وبين قول الحديث : ( صرت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ) ، فالعبد صار حقا ظاهرا ، وفني العبد وبقي الرب ، وهذه تجربة تؤدي إلى كشف الكهف الوجودي الذي سميت السورة به حيث يكون الوجود العياني ظاهرا والوجود الحق باطنا ، ولا يكون من ثم موجود إلا اللّه ، مثلما سئل البسطامي عن اسم اللّه الأعظم ، فقال : هو لا إله إلا اللّه ، ولا تكون أنت - أي السائل - هناك .

[ سورة الكهف ( 18 ) : آية 27 ]

وَاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً ( 27 ) [ الكهف : 27 ] كلماته سبحانه الوجود الظاهر وصور هذا الوجود ومعانيه ، ولهذا قال ابن عربي : ( لا يجوز أن يسمى اللّه مختارا لأنه لا يفعل شيئا بالاختيار بل يفعله على حسب ما اقتضاه العالم من نفسه ، وما اقتضاه العالم من نفسه إلا هذا الوجه الذي يكون عليه ) ، والمعنى أن اللّه لا يكون خارج الوجود ليحدث في الوجود ما ليس فيه ، إذ لو كان ثم وجود حق إلى جانب الوجود الإلهي لكان هذا الوجود شريكا للّه وهذا مستحيل ، فما يقع في الوجود الظاهري هو عين ما يريد اللّه أن يقع ، ولهذا قال صلّى اللّه عليه وسلّم : ( لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر ) . . . وقيل في الاختيار : إن للإنسان حرية الاختيار في إطار المشيئة الإلهية التي شاءت هذه الحرية في ما يختار ، وقيل أيضا هذه في جملتها مشيئة اللّه بالإنسان ، وكل ما يتم في دائرتها فهو محقق لمشيئة اللّه وقدره العام ، والصوفية بناء على مكاشفاتهم لا يعترضون بل ولا يسألون لعلمهم بأن ما هو واقع في عالم العيان هو ما يريد الحق أن يقع ، ولا يريد أن يقع خلافه ونقيضه ، فلا تناقض بين مشيئة الحق ومشيئة العالم ، بل ولا تناقض بين ما يقع من أحداث خارجية وبين الإرادة الإلهية ، والصوفي يرى ما يرى وهو ساكت مشاهد لفعل اللّه في العالم وفي خلقه ، فلا يعترض ولا يخشى وهو يظل يخاف المكر الإلهي الذي هو التحول الوجودي والتغير الفكري عن طريق الخواطر . فالجاهل من يسأل اللّه تبديل ما يقع في عالم العيان لأنه بهذا يسأل اللّه أن يبدل كلماته نفسها ، وكلماته ثابتة كلية في عالم الغيب ، وهي مخرجة من كونها بالقوة إلى كونها بالفعل في عالم العيان الذي هو في الوقت نفسه صيرورة متطورة خاضعة للقضاء المبرم الذي يدرج في كونه تعالى كل يوم هو في شأن .

[ سورة الكهف ( 18 ) : آية 28 ]

وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ( 28 ) [ الكهف : 28 ]
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 527 | محمد غازي عرابي