تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 524

مساهمون:

ص٥٢٤
وقوله :
فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ
يعني قيام العارف من بين الناس حيا باللّه عارفا باللّه ، فيعود من ثم من الفناء إلى البقاء باللّه ، وهو مطالب من ثم بنشر علومه ، وعلومه هي ما وصفت بالورق ، إذ الورق الفضة ، والفضة والذهب رمزا العلم . وقوله :
فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ
يعني أن على العارف أن يحدث الناس بما يعرفونه وبلغة الزمان الذي يعيشه الناس ، فالقضية ذات شطرين ، شطر تمثله علوم العارف الذوقية ، وشطر تمثله علوم الناس الزمانية ، ولهذا قال ابن عربي : معجزة كل نبي تكون من جنس ما غلب على زمانه لتكون أدعى للإجابة ، فعيسى عليه السّلام أبرأ وأحيا الموتى وشفا ، لأن زمانه كان زمان الطب ، أما موسى فلقد بهر الناس بعصاه السحرية لأن زمانه كان زمن السحر ، أما محمد صلوات اللّه عليه فلقد كان زمانه زمان الفصاحة والبلاغة فأتى بمعجزة القرآن ، فالعارف ميسر للتعامل مع الناس بما يعرفونه ويقبلونه ، وقال الإمام علي : لا تقسروا أولادكم على أخلاقكم فإنهم مخلوقون لغير زمانكم . وقال ابن عربي : إن علوم التوحيد كانت في زمانه أقوى منها حتى في زمن الصحابة ، ذلك لأن المسلمين كانوا قد اتصلوا بالأمم الأخرى ، واطلعوا على الثقافات العالمية والفلسفات ، فنجم عن هذا الاختلاط ظهور أعلام الصوفية والفلسفة المسلمين . والتلطف اطلاع الناس على الحقيقة بحيث لا تكون الحقيقة ناسفة لجدار الشريعة ، وبحيث تكون الشريعة هي الأساس والمدخل والمفتاح ، وعن أبي هريرة : حفظت من رسول اللّه وعاءين أما أحدهما فبثثته ، أما الآخر فلو بثثته قطع مني هذا البلعوم ، وقال الإمام الغزالي : من تقيد من العوام بقيد الشرع ، واعتقد الظاهر وحسن في السيرة ، فلا ينبغي أن يشوش عليه اعتقاده ، وينبه على تأويلات الظواهر ، فإن ذلك يؤدي إلى أن ينحل عنه قيد الشرع ، ثم لا يمكن أن يقيد بتحقيق الخواص ، فيرتفع السد الذي بينه وبين الشرور ، فينقلب شيطانا شريرا ، وقال الجنيد : علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة .

[ سورة الكهف ( 18 ) : آية 20 ]

إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً ( 20 ) [ الكهف : 20 ] الاطلاع على الحقيقة كاملة داخل في معنى قوله تعالى :
إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا
( 5 ) [ المزمّل : 5 ] ، وقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : ( إني أرى ما لا ترون ، وأسمع ما لا تسمعون ) ، وقول الحلاج : بالسر إن باحوا تباح دماؤهم ، وكذلك دماء العاشقين تباح ، فالحقيقة مصونة محجوبة إلى أوان التجلي ، والأوان للّه ، والحقيقة خلقت للحملة وهم أصحاب الأودية الوسيعة المؤهلة
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 524 | محمد غازي عرابي