تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 362

مساهمون:

ص٣٦٢
وقوله :
لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ
يعني اطلاع نوح كشفا على خارطة الأسماء الحسنى حيث يظهر الناس فيها مثل دود على عود . فالأعواد الأسماء والديدان البشر ، وقد ضمّ كل عود عددا منهم ، فمنهم الكافر والمؤمن والحليم والمغضوب عليهم والرفيع والذليل والحليم والمنتقم . ولما رأى نوح هذه الخارطة علم أنه لن يؤمن له إلا فريق من هؤلاء البشر الظاهرين ، وأن من آمن له هم المدرجون في اسمه تعالى المؤمن والمنضوون تحته . . أما الباقون فلن يؤمنوا لأنهم كافرون محجوبون بحجب بقية الأسماء .

[ سورة هود ( 11 ) : آية 37 ]

وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ ( 37 ) [ هود : 37 ] الفلك ما يعوم في الماء ، والماء هنا هيولى العالم المادي ، فالفلك العوم في هذا العالم والنجاة من الغرق فيه . وقوله :
بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا
إشارة إلى التكليم الذاتي الذي هو الوحي والتعليم بواسطة الأعين التي هي صور العالم العياني . والملاحظ أن الخطاب كان من الأعين جمع العين إلى المخاطب ، والعين الصفة من الإنسان وحقيقته ، والنتيجة أن التعليم اللدني يتم بواسطة تحريك هذه الصور عن طريق كشف اليقظة والمنام ، وهذا ما أشار إليه الحديث الشريف : ( إن في الجنة سوقا ما فيه بيع ولا شراء إلا الصور من الرجال والنساء فإذا أراد الإنسان صورة دخل فيه ) .

[ سورة هود ( 11 ) : الآيات 38 إلى 39 ]

وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ ( 38 ) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ ( 39 ) [ هود : 38 ، 39 ] السخرية من نوح ومن فلكه السخرية من الأنبياء والأولياء العارفين الذين يعتمدون الرؤى وسيلة للتعليم الذاتي . والملاحظ أن موقف أصحاب المنطق كان طوال التاريخ شديدا وساخرا من أصحاب الذوق والرؤى ، وعلى رأس هؤلاء وقف أرسطو وشيعته من الفلاسفة اليونانيين الذين كانوا يؤمنون بالوحي ، ثم وقف هيغل وقفته الشهيرة من الصوفية الشرقيين حين تمسك بأساليب المنطق ، ورفض الإيمان بطريق غيره إلى الحقيقة . وقوله :
إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ
يعني رد فعل أهل العرفان على أصحاب المنطق بلغتهم ، إذ يكيلون لهم الصاع صاعين كما فعل الإمام الغزالي في كتابه تهافت الفلاسفة ، وكما فعل كانط في العصر الحديث حين شنّ هجومه على العقل وطرقه فاضحا عيوبه ، كاشفا نقاط ضعفه ، ورافضا التدليل على وجود اللّه بالأساليب المنطقية ، والقائل : إن الأخلاق وحدها هي البوابة والمدخل إلى عالم الشيء في ذاته ، لأن القانون