تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 361

مساهمون:

ص٣٦١
ما خلق اللّه نور نبيك يا جابر ) . فالنور الأول القديم الظاهر هو الإنسان الكامل الذي هو الصورة الإلهية الباطنة الظاهرة . وظهور نوح إنسانا يعني أنه مثل بقية البشر ، فباطن نوح مثل باطن إبراهيم وإسحق ويعقوب ويوسف وموسى وعيسى ومحمد . فهذا النور واحد يظهر في الأنبياء والأقطاب ، فيكون ممثل اسم اللّه العليم والبشير والنذير . والبينة التي أوتيت نوحا هي اطلاعه كشفا على قدره عند اللّه وأنه لديه مكين ، وأنه في مقعد صدق عند مليك مقتدر . وهذا الكشف يؤتى كل ظهور للإنسان الكامل ، وما أنزلت ليلة القدر إلا لهؤلاء الأعلام وفيهم . وقول نوح لقومه إنه ليس عنده خزائن اللّه ، ولا يعلم الغيب ولا هو ملك ، يعني أن ظهور النور هو ظهور سلبي قابل مثلما كل المظاهر العيانية سالبة قابلة . فالنبي عليه السّلام على عظيم منزلته وقدره عند اللّه ، ما كان يعلم شيئا عن منزلته قبل نزول الوحي عليه ، كما أنه لم يكن يعلم شيئا من العلوم التي علمها بعد نزول الوحي ، ولقد خوطب من قبل الحق :
قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ
[ الكهف : 110 ] ، فظاهر النبي ظاهر بشري ليس له من الأمر شيء ، والحياة كلها ظهور حياتي . أما ما يقع لهؤلاء المصطفين بعد هذا فهو انتقال من السلب إلى الإيجاب ، ومن الانفعال إلى الفعل ، أي من كون النبي قابلا إلى كونه فاعلا ، ومن كونه جاهلا إلى كونه عالما ، وهذا النقل هو ما يطلع النبي كشفا على منزلته القديمة النورانية عند ربه باعتبار الحقيقة بين منزلتين ، بين النور الفاعل والنور القابل ، أو بين الروح الفاعل والروح المنفعل ، أو بين النفس الإلهية والنفس الآدمية المخلوقة على صورة الرحمن . فوجها الحقيقة هما الحقيقة ذاتها ، فهو سبحانه المتجلي بنفسه لنفسه الظاهر بها له ولها به .

[ سورة هود ( 11 ) : آية 36 ]

وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ ( 36 ) [ هود : 36 ] الوحي التكليم الذاتي للمصطفين ، وهو الصلة بين شطري الذات الفاعل والمنفعل . وعلى هذا فكل مخلوق حتى الحيوان والنبات والجماد يوحى إليه . ونجد في كتاب اللّه أن اللّه سبحانه أوحى إلى النحل ، وإلى أم موسى ، وهو القائل سبحانه :
وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ
[ الشّورى : 51 ] . فالوحي العلاقة الحية بين اللّه والكائنات ، وهو سر القيومية والجبروت .