تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 363

مساهمون:

ص٣٦٣
الأخلاقي ذاته هو من القوانين الماورائية نفسها ، وهو يعد دليلا على وجود تلك القوانين .

[ سورة هود ( 11 ) : آية 40 ]

حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ ( 40 ) [ هود : 40 ] أمر اللّه حلول ليلة القدر ، ورفع الأستار المضروبة دون الغيوب ، والإيذان ببدء عملية التعليم اللدني . والتنور إشارة إلى طلوع صبح اليقين ، كما قال الإمام علي . وقال ابن عباس : ( التنور انبجاس الماء من وجه الأرض ) ، والعرب تسمي وجه الأرض تنورا . وقال قتادة : التنور أشرف موضع في الأرض وأعلى مكان فيها . والإنسان هو الذي يحتل مكانة الشرف في الأرض لأن قلبه وسع اللّه ، وفيه انفجرت عيون علوم التوحيد . وقوله :
احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ
إشارة إلى أن الفلك العائم هو مجموعة الأسماء المتقابلة كما أشرنا من قبل إلى أن نوحا هو نبي توحيد هذه الأسماء ، ولا توحيد دون توحيد هذا التضاد الكوني الواقعي . فما هو باق من عالم العيان هي تلك الأسماء المسماة الأعيان الثابتة ، وثبوتها من أزليتها ، وهذه الأسماء هي أساس فلسفة أفلاطون القائل : إن الصورة بدء الخلقة . فالبقاء للعين ، والفناء للأعيان الظاهرة .

[ سورة هود ( 11 ) : آية 41 ]

وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ( 41 ) [ هود : 41 ] بسم اللّه هو اسم اللّه الأعظم ، وهو الروح الفاعل أول خلق اللّه . والمجرى حركة الفلك المحيط بعد تكوكبه وتكثفه من السديم الذري اللطيف الذي هو بدء ظهور النور الإلهي . والمرسى الإيواء إلى الاسم نفسه بعد التحريك ، إذ التحرك منه إليه ، ولهذا قلنا إن النفس ذات أصل إلهي ، وما هي إلا مرآة ومستودع وشاشة لعرض قوى الوجود وعلومه .

[ سورة هود ( 11 ) : آية 42 ]

وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ وَكانَ فِي مَعْزِلٍ يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ ( 42 ) [ هود : 42 ] الموج حركة الأسماء الدافعة لأشباح العيان . فما تحرك متحرك إلا بداعية من اسمه القاهر فوقه منذ بدء تخلقه . وما هذه الأمواج الظاهرة سوى التعبير عن وجود الأعماق الساكنة تحتها والتي هي أصلها ، ومعلوم أنه لا يمكن فصل الموج عن البحر ، فهو موجه ، وموجه هو ، وما عالم الظهور سوى تحرك ما هو ساكن . ونداء نوح ابنه نداء الاسم الأعظم ممثل الاسم الجزئي ، وللأمر لطيفة ، فأنت تقول أنا ، وأنت جزء من كل ، ويعرف هذا بالفلسفة بالجزئيات والكليات ، فالإنسان ممثل النوع ، والنوع