تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 365

مساهمون:

ص٣٦٥
وقوله :
وَيا سَماءُ أَقْلِعِي
إشارة إلى علوم الروح الملقحة لعلوم الدماغ ، وهذا ما تعتمده الفلاسفة القدامى القائلين : إن العقل الفعال هو الذي يقوم بتعليم الإنسان حتى وإن كان يعتمد علم المنطق والأساليب النظرية العلمية التحليلية . وقوله سبحانه :
وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ
إشارة إلى عودة الأعيان الثابتة إلى ما كانت عليه من طي قبل النشر ، ولكنها تكون قد تفتقت ، وأخرجت مكنونها ، فاستفاد اللّه منها علما ، وذلك بظهور ما في نفسه رتقا إلى نفسه فتقا .

[ سورة هود ( 11 ) : الآيات 45 إلى 47 ]

وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ ( 45 ) قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ ( 46 ) قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 47 ) [ هود : 45 ، 47 ] ابن نوح نفسه الجزئية نفسها ، وقد رآها غارقة في البحر الوجودي الكبير ، وهذا مقام الفناء الذي يعيشه العارف لدى بلوغه إياه ، وفيه قال عليه السّلام : ( إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون ، ولو علمتم ما أعلم لضحكتم قليلا وبكيتم كثيرا ، ولما تلذذتم بالنساء على الفرش ، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى اللّه ) . وجواب اللّه إنه ليس من أهله اطلاع نوح على أن الأنا الجزئية ليست من الحقيقة في شيء ، إذ الحقيقة للكلي وحده ، وما الجزئي إلا ظهوره ومرآته . قال ابن عربي : النفس الجزئية متولدة من الطبيعة ، وهي أمها ، والروح الإلهي أبوها . وقال : وما الفخر إلا بالجسوم لأنها مولدة الأرواح ناهيك من فخر . وقال الجيلي : النفس الحيوانية تطلق على الروح باعتبار تدبيرها للبدن فقط .

[ سورة هود ( 11 ) : آية 48 ]

قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ ( 48 ) [ هود : 48 ] الهبوط بالسلام من السفينة العودة إلى البقاء ولكن باللّه بعد الفناء فيه ، وهو مقام جليل يبلغه العارفون المحققون بعد أن يكونوا قد استبدلوا الكلي بالجزئي ، والأزلي بالفاني ، والحقيقي بالوهمي ، واللاهوتي بالناسوت البشري ، والصفات الإلهية بالصفات الإنسانية التي هي ميدان التناقض . قال عبد الكريم الجيلي في المحققين : أهل القرب الإلهي الذين بنى اللّه أساس هذا الوجود عليهم ، وأدار أفلاك العوالم على أنفاسهم ، فهم محل نظر الحق من العالم ، بل هم محل اللّه من الوجود ، ولا أريد بلفظ المحل الحلول ولا التشبيه ولا الجهة ، بل أريد به أنهم