تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 364

مساهمون:

ص٣٦٤
فرع من الجنس ، والجنس كلي ، فكل إنسان ممثل الجنس البشري ، ولا وجود له إلا بالكل . ولما كانت الجزئيات كثيرة كانت أسماؤها القاهرة كثيرة ، ولهذا يقول الناس أنا وأنا ، علما أن الأنا الجامعة جمعت كل هؤلاء الناس . ونوح الذي بلغ مرتبة الذات الكلية نجا من شر الأنا الجزئية وسورها المحيط بها ، وهذا ما سمي النجاة من الغرق . إذ يمّ الهيولى الكلية مغرق كل هذه الجزئيات . والعارفون يعرفون ويشهدون كيف أن الكل غرقى بحر الكلي حتى من قبل أن يغرقوا بالموت الطبيعي . ولهذا قال أبو يزيد البسطامي لما بلغ هذا المقام : رأيت الناس موتى فكبرت عليهم أربع تكبيرات . وقال عليه السّلام : ( موتوا قبل أن تموتوا ) ، أي أفنوا هذه النفس الجزئية في بحر الكلي ، لكي تنجوا من الغرق فيه إذا ظللتم تقولون أنا وأنا ، وما ثم من أنا إلا أنيته سبحانه ، وهي كونه موجودا وجودا أصليا حقيقيا قائما بذاته أزليا أبديا .

[ سورة هود ( 11 ) : آية 43 ]

قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ ( 43 ) [ هود : 43 ] الجبل الذي أوى إليه ابن نوح الأنا الجزئية نفسها ، لأن الجبل ما علا من الأرض ، والرأس هو الذي يعلو الجسد ، فالجبل إشارة إلى الرأس حيث الدماغ الذي هو مستودع الأنا الجزئية ، وتجد الناس يفرون من كل جهة في البحر ليرسوا في مرسى الأنا ، علما أن في هذا المرسى الهلاك وما يدرون ، ولهذا كان جواب نوح لولده لا عاصم اليوم من أمر اللّه . وقوله :
إِلَّا مَنْ رَحِمَ
يعني نجاة العارفين من الغرق في البحر الكلي ، وذلك بأن يصيروا إليه ، ويصيروا هو كما قال العارف أرسلان الدمشقي : الإيمان خروجك عنهم واليقين خروجك عنك . ففي النجاة من سجن الأنا الجزئية يجد الإنسان نفسه في رحاب الأنا الكلية حيث بحر الألوهية الرحيب الذي هو الغبطة والنور العظيم ، وهو ما عبر عنه ابن الفارض بالتنعم بالأنية الإلهية .

[ سورة هود ( 11 ) : آية 44 ]

وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 44 ) [ هود : 44 ] تمثل العملية ابتلاع الأرض النفس الجزئية التي مستودعها الدماغ كما قلنا . فالأرض تبلع ماء العلم المتفجر منها ، وقلنا الأرض إشارة إلى رأس الإنسان ، فالمعنى أن ما يحصله الإنسان من العلوم الحسية والمنطقية يعود فيتركه لها ، ما دام علمه كله مرتبطا بالدماغ ورهينا بوجوده ، وكنا فصلنا الكلام في وصف حال الإنسان الدماغي في كتابنا « الإنسان الكبير » إذ قلنا : إن العجوز الخرف ينسى ما تعلمه في حياته حتى يعود جاهلا كما كان .