تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 1827

مساهمون:

ص١٨٢٧
أخت أبي سفيان ، وعلّمها عرب مكة . ويجوز أن يكون مؤلفو هذه الرواية هم الأمويون ، لأسباب سياسية ، وليرجعوا الفضل إليهم . وإلا فإذا كان فضل تعليم الكتابة لأهل مكة يعود إليهم ، فمن علّم أهل المدينة ؟ قيل : اليهود ! فهل اليهود كانوا يعلّمون الكتابة العربية للعرب ؟ ! والصحيح أن كل أمة فيها من يكتب ، ولم توجد أمة لا تكتب أبدا ، حتى في الأدغال وقمم الجبال ، فمثل ما يتكلم الإنسان بطريقة ما ، وبألفاظ مفهومة من الآخرين ، فهو أيضا يكتب برسوم ونقوش يعرف رموزها الآخرون . والمهم أنه في عصر النبىّ صلى اللّه عليه وسلم كان هناك كثيرون يكتبون ويقرءون - حتى من بين العبيد ، وكذلك كان من النساء من يكتب ويقرأ مثل عائشة . وفي المدينة اشتهر من الكتّاب : المنذر بن عمرو ، وأبىّ بن وهب ، وعمرو بن سعيد ، وزيد بن ثابت . وجعل الإسلام للكتابة والقراءة شأنا وأي شأن ، وإلا فكيف سيقرأ القرآن ؟ وما كان اسمه « القرآن » إلا ليقرأ . ونزلت أول آية :
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ
( 1 ) ( العلق ) تحضّ على القراءة والكتابة ، والآية دليل على أن النبىّ صلى اللّه عليه وسلم كان يقرأ ويكتب ، ولم يكن أميا بمعنى « أمية القراءة والكتابة » ، ولكنه « أمي » بمعنى أنه من « الأمم » وليس عبرانيا ، وليس من « أهل الكتاب » ، وليس قوله تعالى :
وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ
( 48 ) ( العنكبوت ) أنه كان يجهل الكتابة والقراءة ، وإنما الآية تنفى عنه أنه كان يقرأ الكتب أو يخطها وخاصة كتابىّ التوراة والإنجيل ، وما كان قد ترجما إلى العربية ليقرأهما . غير أن تقديره للكتابة والقراءة كان عاليا ، ففرض على الأسرى في غزوة بدر - كفداء لهم - أن يعلّم كل واحد منهم عشرة من المسلمين ممن يجهلون القراءة والكتابة . وفي صلح الحديبية لما رفض علىّ أن يكتب ما أملاه عليهم المشرك ، أخذ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الكتاب فكتب - وإن كان خطه ليس حسنا . وروى النبىّ صلى اللّه عليه وسلم أنه ليلة أسرى به رأى مكتوبا على باب الجنة : الصدقة بعشر أمثالها والقرض بثمانية عشر - يعنى أنه كان يقرأ ! وقوله صلى اللّه عليه وسلم : « إنّا أمّة أمية ، لا نكتب ولا نحسب » كان كلاما عن العرب إجمالا وليس عن نفسه . وكان أعظم اختبار للكتابة عند العرب كتابتهم للقرآن ، وجمعهم لآياته وسوره في كتاب القرآن ، وبالقرآن ككتاب صار العرب « أهل كتاب » ، وارتقوا حتى أصبحوا أعلاما للحضارة ، وآلت إليهم سيادة الفكر في العالم ، وأصبحت الثقافة العربية أعظم الثقافات ، وتألّفت حول القرآن علوم لم تسبق إليها أمة من الأمم ، لا قديما ولا حديثا . * * *

1476 - ( الحضّ على تقييد العلم بالكتابة )

تدوين العلوم وكتابتها ضرورة وواجب ، والحفظ الشفهى قد تعتريه الآفات من الغلط والنسيان ، وقد لا يحفظ الإنسان ما يسمع ، فالأولى به أن يقيّده لئلا يذهب عنه . ولما سئل أحدهم : أنكتب ما نسمع من أئمتنا ؟ قال : وما يمنعك أن تكتب وقد أخبرك اللّه تعالى :