تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 1829

مساهمون:

ص١٨٢٩
وهي الدواة ، ثم قال له ( أي للقلم ) اكتب ، قال : ما أكتب ؟ قال : ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة ، من عمل ، أو أجل ، أو رزق ، أو أثر ، فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة » . قال : « ثم ختم فم القلم فلم ينطق ولا ينطق إلى يوم القيامة . . » رواه ابن كثير وابن عساكر ، وهو حديث رمزى ، وفي الغالب موضوع ، لأسباب سنذكرها لاحقا . والحديث في رواية أخرى قال : « إن أول ما خلق اللّه القلم ، فقال له اكتب ، فقال : يا ربّ ، وما أكتب ؟ فقال : اكتب القدر ، فجرى القلم في تلك الساعة بما كان وما هو كائن إلى الأبد » . فالقلم نعمة من اللّه ، وهو في السورة يقسم به لما فيه من البيان ، كما في اللسان من بيان ، والقلم المعنىّ هو أي قلم ، سواء كان ربّانيا أو إنسيا . والقلم للكتابة : وفي قوله « وما يسطرون » أي ما يكتبون ويصطلحون عليه من لغات وخطوط ، فيسجل القلم الأحداث والحاجات والمخابرات والمعلومات ، ويرصد العلوم والآداب والمفاهيم والصنائع والفنون . والقلم للاقتراع : كقوله :
وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ
( 44 ) ( آل عمران ) ، والأقلام هي القداح والسهام ، وكانوا يلقونها في الماء ، فمن لم يجرف الماء قلمه كان هو حاضن مريم . ومن ثم فإن الأقلام تكون ثلاثة : القلم الأول ، الذي خلقه اللّه بيده وأمره - كما قيل - أن يكتب ما هو كائن وسيكون ؛ والقلم الثاني هو قلم الملائكة يسجلون به أعمال الناس ؛ والقلم الثالث ، أقلام الناس يكتبون بها كلامهم ، ويصلون بها مآربهم . وفي آية القلم فإن وجه القسم بالقلم النفي أن يكون محمد صلى اللّه عليه وسلم مجنونا كما يشيعون ، فالمجنون لا يعى ما يقول الوحي ، ولا يحفظ منه شيئا ، ولا يهمه إن حفظ أو ضاع ، ولا يعنيه أن يسجله ويكتبه في الدفاتر ويمليه على الأصحاب يحفظونه في الصدور ، ومحمد صلى اللّه عليه وسلم وقد فعل كل ذلك يستحق الثناء والثواب ، وما فعله ينبئ عن صفات أخلاقية عالية ، وأنه أعقل العقلاء . والدرس المستفاد من الآية : أن أصحاب الأقلام مطلوب منهم أن يكونوا القدوة في الأخلاق ، وأن يكون لنا فيهم أسوة حسنة ، وحقيقة الخلق أن يأخذ الإنسان نفسه بالأدب ، ونظرية الإسلام في الأدب أساسها هذه المقولة القرآنية : أن القلم أشرف الأدوات ، وأنه مخلوق ربّانى ، وأن العالم في بدايته استلزمه كأول شئ من أدواته ، وأن صاحب القلم هو صاحب خلق عظيم ، وأن الأدب - أي هذا الفرع من المعرفة ، فيه من الأدب الذي هو علم السلوك ، فلا أدب
literature
بدون أدب
good conduct
. والحديث السابق في القلم أنه كتب كل ما هو كائن إلى يوم القيامة ، يتعارض مع الآية :
لَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
( 27 ) ( لقمان ) وورود هذه الآية في سورة لقمان دليل على أنها من مصاف الحكم ، فقدرة اللّه تعالى ليست لها حدود ، وإبداعه وخلقه لا يتوقفان وليست لهما نهاية ، ولو كانت الأقلام التي يمكن استخراجها من كل أشجار الأرض ،