لَكَ ذِكْرَكَ
( 4 ) ( الشرح ) ، ولكنها ليست بشعر ، لأن الإتيان بها موزونا ليس على سبيل القصد ، يعنى أن اللّه تعالى لم يكن مقصوده أن يكون هذا الكلام شعرا بحسب اصطلاح الشعراء ، ولذا قال عن النبىّ صلى اللّه عليه وسلم
وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ
( 41 ) ( الحاقة ) ، وقال :
وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ
( 69 ) ( يس ) ، فأخبر أن الشعر ليس من طبعه ، ولا يحسنه ، ولم يتعلمه عن اللّه وإنما تعلم عنه القرآن العظيم ، وفي ذلك قيل : « ما ولد عبد المطلب ذكرا ولا أنثى إلّا يقول الشعر ، إلا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم » ، ومع ذلك فلم يكن النبىّ صلى اللّه عليه وسلم يكره الشعر ، وكان يستحسنه إن كان فيه الخير ، ويذكر الحسن البصري : أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان كثيرا ما يتمثّل بهذا البيت ويخطئ فيه : « كفى بالإسلام والشيب للمرء ناهيا » ، فكان أبو بكر يصلحه له ويقول : يا رسول اللّه : « كفى بالشيب والإسلام للمرء ناهيا » ، ثم يقول : أشهد أنك رسول اللّه ، وصفك فقال :
وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ
؛ فلم تكن سجيته تقبل صناعة الشعر طبعا وشرعا . والشاعر الحق هو الذي يكون المعنى منه تابعا للفظ ، لأنه لا يقصد إلا إلى الألفاظ التي يصحّ بها وزن الشعر وقافيته ، فيحتاج من ثم إلى التخيّل للمعاني يأتي بها من أجل اللفظ ، وليس كذلك قول اللّه تعالى ، ولا قول نبيّه ، فالمعانى في القرآن تسبق اللفظ ، وكذلك تجىء الألفاظ في كلام الرسول صلى اللّه عليه وسلم تبعا للمعاني . ومن كلامه صلى اللّه عليه وسلم الذي يبدو كالشعر ، أنه لمّا أصيبت إصبعه وجرحت ، وكان يقوم بعمل من أعمال الجهاد ، قال تحسرا وحزنا : « هل أنت إلا إصبع دميت ، وفي سبيل اللّه ما لقيت ؟ » ، وهو كلام كالشعر ولكنه ليس شعرا ، لأنه لم يقصد إلى أن يقول شعرا ؛ وقيل هو رجز ، والرجز شعر يكون كل مصراع منه مفردا ، ويبدو أنه لم يجر على لسان النبىّ صلى اللّه عليه وسلم من ضروب الرجز إلا ضربان : المنهوك ، والمشطور ، كقوله هذا السابق « هل أنت إلا إصبع » . واللّه تعالى قد نفى الشعر عن القرآن ، ونفى وصف الشاعر عن النبىّ صلى اللّه عليه وسلم بقوله :
إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ( 40 ) وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ
( 41 ) ( الحاقة ) ، وقوله :
وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ
( يس ) . وقيل إن النبىّ صلى اللّه عليه وسلم بعد نزول آية :
وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ
لم يقدر على قراءة الشعر موزونا . ونفى اللّه تعالى أن تكون آياته تخييلات شاعر ، ونفى عنه جنون الشعر في قولهم :
أَ إِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ
( 36 ) ( الصافات ) ، وردّ عليهم الردّ المفحم فقال :
بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ
( 37 ) ( الصافات ) ، فلم يكن ما جاء به إلا ما أرسل به المرسلون من قبله كموسى وعيسى ، ولفته إلى اتهاماتهم وفحواها فقال :
ما يُقالُ لَكَ إِلَّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ
( 43 ) ( فصلت ) ، وتمنوا له الردى خلاصا منه كشاعر :
يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ
( 30 ) ( الطور ) . وإذن فلم تكن الآيات التي