تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 1685

مساهمون:

ص١٦٨٥
وعلم منتج ، حيث العالم يخلص بما علم إلى نتائج لم يكن يبلغها لو لم يعلم . والعلم يجيب عن الكيف والكم ، ولكنه لا يجيب عن : لما ذا ؟ إلا طبقة من العلماء العابدين ، عرفوا اللّه بالعلم ، ولم يتوقفوا عند مجرد الإحاطة بالكيف والكم ، وهؤلاء تقصدهم الآية :
إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ
( 28 ) ( فاطر ) ، فلأنهم عرفوا ، أقدروا اللّه حقّ قدره ، وخافوا قدرته ، ومن علم أن الكون له صاحب وهو خالقه ومبدعة ، وأنه عالم ولكن ليس كالعلماء ، فأهل العلم يختصون بالجزئيات ، واللّه عالم محيط بكل شئ ، فإنهم يجلّونه ويقدّسونه ، ومعنى خشيتهم له معرفتهم به ، ومن لم يعرف اللّه فليس بعالم ، وهي قضية تماثل قولنا : من لم يخش اللّه فليس بعالم : فالعالم هو من يعرف اللّه فيخشاه ، وكفى بخشية اللّه علما ، وبالاغترار جهلا . وأفقه العلماء هو أتقاهم لربّه ، ولا خير في علم لا عبادة فيه ، ولا خير في عبادة لا علم فيها ولا قراءة ولا تدبّر ، وفي الحديث : « إن اللّه وملائكته وأهل سماواته وأهل أرضه ، والنون ( أي الأسماك ) في البحار ، يصلّون على الذين يعلّمون الناس الخير » ، ولا بارك اللّه في علم يتعلم علماؤه لغير العبادة ، ويطلبون به الدنيا . وأن يستعمروا ويستولوا ، ويضطهدوا ، ويستعلوا في الأرض . وليحذر علماء المسلمين أن يكونوا مثل هؤلاء ، ولا تزال أمة الإسلام بخير طالما كان علماؤها يخشون اللّه ، ومن خشي اللّه زاده علما ، والعلم لا يكون اكتسابا فقط ولكنه لمن يفتح اللّه عليه به ، والذي يفتح اللّه به ليس هو العلم العقيم . وأفضل العلماء الذي يعلّم ، ويعمل بما يعلّم ، ويعلّم ما يعلم ، والعلماء أصناف كما في الحديث : « مثل ما بعثني اللّه به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا ، فكان منها نقية قبلت الماء فانبتت الكلأ والعشب الكثير ؛ وكانت منها أحادب أمسكت الماء فنفع اللّه بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا ؛ وأصابت منها طائفة أخرى ، إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ ، فذلك مثل من فقه في دين اللّه ونفعه ما بعثني اللّه به فعلم وعلّم ، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى اللّه الذي أرسلت به » ، فكما أن الغيث يحيى البلد فكذا العلم يستنهض العقول الراكدة ، ويحيى القلوب الميتة . والآخذون بالعلم المقبلون عليه - كما قلنا - كالأرض المختلفة في تلقّيها للماء ، فمنهم العالم العامل المعلّم ، فهو بمنزلة الأرض الطيبة شربت فانتفعت في نفسها ، وأنبتت ونفعت غيرها ، وهذا الذي يخشى اللّه ويعلم ، ويعمل ، ويعلّم ، يقصد بذل نوال رضاه . ومنهم الجامع للعلم الذي لا يعمل به ، ولا يخلص له ، ولا يخدّم به اللّه ، ولم ينفع به نفسه ولكنه يؤدّيه للناس كما علمه ، ويعلّمه غيره ، فهو بمنزلة الأرض التي يستقر فيها الماء فينتفع الناس به . ومنهم من يسمع العلم فلا يحفظه ، ولا يعمل به ، ولا ينقله لغيره ، فهو كالأرض المستوية الملساء التي لا تقبل الماء وقد تفسده على غيرها . * * *