للأقربين ، وقوله « بالمعروف » هو شرط في كتابه الوصية ، وهو أن يكون فيها عادلا ورفيقا في نفس الوقت ، ومنصفا ومحسنا في الآن نفسه ، وذلك معنى « حقا على المتقين » ، فإذا أوصى لأحد فلا يجحف بالباقين ، وفي الحديث أن الوصية في : « الثلث ، والثلث كثير » مخافة الحيف وكذلك الآية :
فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً
( 182 ) ( البقرة ) ، والجنف هو الحيف ، وفي الحديث : « الجنف في الوصية من الكبائر » ، والحديث : « إن الرجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة ( أي عمره كله ) ، فإذا أوصى حاف في وصيته ، فيختم له بشرّ عمله فيدخله النار . وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الشرّ سبعين سنة ، فيعدل في وصيته ، فيختم له بخير عمله فيدخل الجنة » . ولا مجال الآن للآية :
فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
( 181 ) ( البقرة ) لأن الوصية الآن لا تبدّل ولا تحرّف ولا تغيّر أحكامها ، لإشهارها كوثيقة رسمية وليس كورقة عرفية . والآية عن نوع من الوصايا من الماضي وتكون بالسماع وليس عن الوصية المكتوبة التي يشهد عليها الشهود . وتبديل الوصية أو تحريفها الآن يجعلها محل طعن بالتزوير ، والطعن في الوصية تحكمه قوانين الدولة ولا يترك للأفراد . وللمسلم أن يغيّر في وصيته في حياته ويرجع فيما شاء منها بشرط تسجيل ذلك ، وله أن يلغيها بالكلية . ودليلنا على أن الوصية ليست في الأموال فقط ، وأن « الخير » في الآية ليس المال ، وإنما هو الخير مطلقا ، أن المسلمين الأوائل كانوا يكتبون في وصاياهم : هذا ما أوصى به فلان ابن فلان ، أنه يشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله ، وأن الساعة آتية لا ريب فيها ، وأن اللّه يبعث من في القبور » وهذا ما كانوا يبدءون به وصاياهم وهو الأهم ، وكانوا يوصون أهلهم بتقوى اللّه حقّ تقاته ، وأن يصلحوا ذات بينهم ، ويطيعوا اللّه ورسوله إن كانوا مؤمنين ، ويوصونهم بما وصىّ به إبراهيم بنيه ويعقوب :
يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ
( 132 ) ( البقرة ) وتلك هي وصية المسلم الحقيقية ، والحمد للّه ربّ العالمين .
* * *
2341 - ( الإضرار في الوصية )
في الحديث عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « الإضرار في الوصية من الكبائر » ، فإن خاف الأهل والأصحاب ممن يعلمون بأمر وصية من موص ، ميلا وعدولا عن الحق ، ووقوعا في إثم ، وأنه لم يخرجها بالمعروف ، فتحايل وأوصى مثلا لولد ابنته لينصرف المال إلى ابنته ، وأوصى لابن ابنه بغرض أن ينصرف المال إلى ابنه ، أو لابن زوجته كي ينصرف المال من بعده لها ، فعليهم السعي في الإصلاح بين الموصى وبين الورثة ، لقوله تعالى :
فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ
( 182 ) ( البقرة ) ، بهدف تعديل الوصية