ست آيات لا غير وسبع وستين كلمة . وفي الإسرائيليات قال ابن عباس : يا معشر المسلمين ما تسألون أهل الكتاب ، وكتابكم الذي أنزل على نبيّكم فيه أحدث الأخبار باللّه ، تقرءونها محضا لم تشب ، وقد حدّثكم القرآن أن أهل الكتاب قد بدّلوا من كتب اللّه ، وغيّروا ، وكتبوا بأيديهم الكتب ، فقالوا :
هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا
( البقرة 79 ) . ومع ذلك لم ينهكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم . فلا واللّه ، ما رأينا رجلا منهم يسألكم عن الذي أنزل عليكم ! ! ! وهذا حق فما يسألنا اليهود ، فلما ذا نسألهم نحن وقد علمنا أنهم حرّفوا كتبهم ؟ ! ولننظر مليا في جمال التعبير القرآني وإيجازه المعجز عندما يقول :
ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ
( 42 ) ( ص ) ، والركض بالرّجل هو الدفع بها ، وهو أيضا تحريكها كما في العدو ، فلمّا ركض أيوب انصياعا لقوله تعالى ، نبعت عين ماء ، وتدفق منها الماء فاغتسل به : « هذا مغتسل بارد وشراب » ، فذهب الداء عنه من ظاهره ، ثم شرب منه فذهب الداء من باطنه ؛ قيل : العين في الجابية بالشام ، وهي عينان ، اغتسل من واحدة وشرب من الأخرى . والأمر بالركض بالرّجل ليتناثر عن أيوب الداء منها ومن جسده كله ، وهذا هو ما نعرفه بالعلاج بالركض ، أو العدو ، وهو من فوائد هذه الآيات المباركة ، وقال به الطب العلاجى والنفسي حاليا ، ومنه العلاج بالمشي رهوا لا عدوا . كما أن الشراب والاغتسال من العيون المعدنية علاج أكيد لكثير من الأمراض الجلدية ، وخاصة المياه الكبريتية ، ومنطقة شرق فلسطين مشهورة بوجود الكبريت في أرضها ومياهها ، والعيون من هذا النوع كثيرة ، والكبريت علاج ناجح ، والعلاج بالماء
hydrotherapy
من العلاجات الطبية والنفسية كذلك مما ينصح به أطباء اليوم . ولم يكن قول أيوب « مسّني الضر » جزعا ، بل كان دعاء منه ، والجزع في الشكوى إلى الخلق لا إلى اللّه ، والدعاء لا ينافي الرضا ، والدليل أنه دعاء أن اللّه تعالى قال : « فاستجبنا له » ، والإجابة تتعقب الدعاء لا الاشتكاء ، فلما استجاب له ، وهو أرحم الراحمين ، آتاه أهله ومثلهم معهم ، رحمة من عنده ، يعنى ولدت له امرأته البنين والبنات ، فعوّض عمّن مات ، وكان أولاده قد ماتوا ابتلاء قبل آجالهم . ومثلما أمره تعالى أن يركض برجله ، أمره أن يأخذ ضغثا ، أي حزمة من الحشيش المبلول ويضرب بها نفسه لا تأخذه بها رحمة ، وهو نوع آخر من العلاج قصد إليه بقوله تعالى : « لا تحنث » ، أي لا تقلل الضرب ولا تنقصه لكي يتم له الشفاء وتتنبّه حواسه جميعا ، ويندفع الدم إلى خلايا جسمه الذابلة ، وتزيد يقظته ووعيه . وقيل : كان أيوب قد أقسم إذا شفاه اللّه أن يضرب زوجته مائة جلدة لأنها سمحت أن يكلمها إبليس ويقنعها أن تسجد له ليشفى زوجها ؟ ! ولو لم تعتذر بضرورة أن تستأذن زوجها أولا لفعلت ؟ ! وقيل :