803 . قصة أيوب
لأيوب قصتان وشخصيتان في التوراة والقرآن ، والقصتان والشخصيتان مختلفتان بحسب تصور الكتابين لفكرة الشخصية أولا ، ثم لفلسفة الدين والتدين ثانيا . وأيوب التوراة : إنسان متوازن فيما يخص سلوكه تجاه الدين أو الدنيا ، وهو يأخذ من الدنيا كل ما تتيحه له من المتع ، ومن ذلك يعطى اللّه كل مطلوباته الأخروية . وأيوب القرآن : صورة للمؤمن التقى الذي تنزل به النوازل فيشكر اللّه في السرّاء والضرّاء ، ويعيش للناس وينكر نفسه . وفي التوراة بحسب أيوب فإن الفرد يأتي أولا ، وفي القرآن فإن الأولوية عند أيوب للجماعة ، ومن ثم فإن أعمال أيوب في التوراة فردية ، وأعماله في القرآن جمعية . واللّه بالنسبة له في التوراة هو ربّه هو ، وهو في القرآن هو ربّه وربّ الناس والعالمين . والصورة التي يرسمها القرآن لأيوب هي صورة العبد الصابر الراضي بقضاء اللّه ، وهي صورة لا تتوافق مع المزاج اليهودي ، ولذا قال اليهود : إن قصة أيوب في التوراة ليس لها الطابع اليهودي ! ! والقصة كما هي في التوراة يتضمنها سفر خاص بها هو السفر الأول من أسفار الجزء الثاني من كتب العهد القديم الإسرائيلى ، وقالوا فيه إن من كتبوه كانوا أكثر من واحد ولم يكونوا عبرانيين ، إلا أنهم مع ذلك ضمّوا السفر لمجموعة الكتاب المقدّس كي يعدّ الكتاب أضخم وأكبر . واسم أيوب
Job
يعنى بلغة العامة عندهم « الأونطجى » ، أو كثير الكلام ، أو بائع الكلام ، بالنظر إلى كثرة ما تكلم به عن السّقم رغم أنه من المفروض أن يكون سقيما ، والسقيم لا يستطيع الكلام إلا لماما ، وقدّموا لذلك فقالوا إن سقمه لم يصب لسانه ولا تفكيره . و « دموع أيوب » و « صبر أيوب » ، ذهبا مثلا في العربية كما في اللغات الأوروبية وفي العبرانية . وقيل : ربما كان أيوب عربيا ، يعنون أنه لا يمكن أن يتحمّل ما تحمّل إلا العربي ، وأما العبراني فإنه يتمرد في مثل حالة أيوب ، وقالوا : والذي يؤكد أنه لم يكن عبرانيا أن موطنه كان أقرب إلى شعوب المنطقة منه لشعب إسرائيل ، فمن المحتمل أن تأثّره بالثقافات من حوله كان أكبر ؛ إلا أن أيوب مع ذلك ، كان في صميمه عبرانيا وإن كان حديثه مع ربّه لا ينبئ أنه يتحدث إلى إله عبراني ، والعبرانيون يعتبرون قصة أيوب من الأدب الشعبي العبراني ، ولها مكانة خاصة في الهجادا العبرانية ، وتروى بروايات عدة في التلمود ؛ وأما سفر أيوب فقد كتبه من كتبه ، وهذّب كلامه ، وقسّمه فصولا ومشاهد ، ونقله - كما قيل - بلغته الشعرية العامية ، وأضاف إليه منثورات مكمّلة للقصة . ولم يحفل القرآن أن يجعل من قصة أيوب شيئا يستأثر باهتمام الناس ويسرّون بسماعه ، وإنما نبّه إلى أن أيوب نبىّ يوحى إليه ، وأنه في مرتبة كمرتبة محمد صلى اللّه عليه وسلم وإبراهيم ،