نفسه ، وإن لم يفعل وينصاع لرغباتها فستعمل على سجنه ! والغريب أن النساء وافقنها على رغبتها وطلبن أن تكون له معهن مثلما له مع امرأة العزيز ، وآثر يوسف السجن على ما يدعونه إليه ، ودعا ربّه أن يصرف عنه كيدهن ، ونفّذت المرأة الفاجرة ما وعدت أن تنزله به إن لم يطاوعها ، وسجن يوسف ، وظل في السجن مدة ربما طالت ، إلى أن حلم الملك حلمه عن البقرات السمان والعجاف ، والسّنبلات الخضر والأخر العجاف ، ففسّره يوسف بطريقته ، وأرسل إليه الملك فرفض ، إلا أن تقول النسوة الحقيقة ، وهل هو فعلا راودهن ؟
فقلن :
حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ( 51 ) ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ ( 52 ) وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ
( 53 ) ( يوسف ) ، والكلام موصول ، وقولها « حاش للّه » مرتبط بقولها « ليعلم أنى لم أخنه بالغيب » ، أي أنها لم تستمر في الكذب ولم تغتبه وتذكره بالسوء ، وسارعت إلى تبرئته ، وأكدت أنها على حبها لها ولم تخنه مع آخر ، واعترفت بأنها لم تكن بريئة مما اتهمته به ، وأن الحقيقة لا بد أن تنكشف ، والخائن لا يمكن إلا أن يفضحه اللّه بخيانته ، ونسبت اتهامها له في البداية بأنه من فعل النفس الأمّارة بالسوء ، ثم تولاها اللّه برحمته وهداها ونصرها على نفسها .
وتنتهى القصة وما انتهت دروسها وآدابها وما بها من عظات وعبرات . وما أعظم الفارق بينها وبين قصة التوراة ، فما بينهما كما بين الأرض والسماء ! والحمد للّه ربّ العالمين .
* * *
802 . يعقوب أقام بأرض جاسان
Goshen
من مصر
في سفر التكوين أن يعقوب لما حضر إلى مصر أقطعه ابنه يوسف من أرض جاسان أو جاشان - الإقليم الشرقي من مصر - أرض رعمسيس ( التكوين 47 / 12 ) ، فقد كان يوسف وزير الفرعون والمتصرّف من ثم في هذه الأرض ، وكان الفرعون يحكمها ، واسم الفرعون ليس مصريا ، « وأقام يعقوب في أرض مصر بجاسان فتملكوا فيها ونموا وكثروا جدا » ( 47 / 28 ) . ولمّا مات يعقوب توجه يوسف والأسباط وكبراء بني إسرائيل لدفنه ، « وتركوا أطفالهم وغنمهم وبقرهم في أرض جاسان » ( 50 / 9 ) . ولمّا ارتحل موسى ببنى إسرائيل من مصر خرج من رعمسيس جاسان ( 12 / 38 ) . وكل قصة موسى مع الفرعون لم تتعد أرض جاسان ، وقوله تعالى في القرآن :
تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً
( يونس 87 ) ، وقوله :
وَنادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قالَ يا قَوْمِ أَ لَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ
( الزخرف 51 ) هو من باب تعريف الجزء بالكل ، ومنه قوله تعالى :
اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ
( البقرة 61 ) ، وقوله :
ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ
( 99 ) ( يوسف ) ، فأي أرض بمصر هي مصر .
* * *