تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 953

مساهمون:

ص٩٥٣
أو حتى سنة 1220 ق . م ، فهل يتضاعف السبعون إلى هذا الرقم المهول خلال عشرة أجيال ، أو حتى خمسة عشر ! ! والأمر الثاني : أن القصة وقد جرت في أرض جاسان أو جاشان - محافظة الشرقية - يصدق فيها ما ذكر من أن الفراعنة الأشوريين الذين حكموا من بعد وفاة يوسف ، أذلوا العبرانيين لمّا رأوهم يتكاثرون ، واستخدموهم كعمال سخرة ، يعنتوهم بالأثقال ، فبنوا لهم مدينتى فيتوم ورعمسيس ، بالطوب اللبن من طمى النيل ، والمدينتان تقعان في شرق الدلتا ، يعنى حيث كانت مملكة الهكسوس . ورعمسيس هي تانيس ، ومن رعمسيس كان خروج موسى من بعد ، وتانيس كانت أفاريس عاصمة الهكسوس ، وفي تانيس دفن شيشنق الذي تزوج ابنته سليمان ، ودفن منبتاح وآخرون ، وليس فيهم تحتمس الثالث ولا أمنوفيس الثاني وهما المرشحان زورا وجهلا لحكاية الخروج . والمسألة إذن كلها تكهنات وأهواء وأغراض . والحقيقة هي ما ذكره القرآن وأولاه الاهتمام ، وقصة القرآن برمتها مختلفة في تفاصيلها اختلافا كاملا عن قصة التوراة ، فيوسف في القرآن : صغير عندما دلّاه إخوته في البئر ، بينما هو في التوراة تصفه امرأة رئيس الشرطة فتقول إنه رجل ؛ ورواية الذئب في القرآن ، والدم على القميص جديدة تماما ؛ والذي اشتراه من مصر كما جاء في القرآن قام بتربيته واشتد عوده عنده ، وعندئذ راودته زوجته ، ولم يرد أنه خصى كما في التوراة ، وورد أن يوسف استعاذ باللّه من المرأة ، وأنهما استبقا الباب فقدّت قميصه من دبر ، وكان زوجها عند الباب فروت كذبا أن يوسف حاول الاعتداء عليها ، وأدرك الزوج براءة يوسف ، وكلها تفاصيل جديدة ؛ ومنها مثلا حكاية النسوة واجتماعهن وتقطيعهن لأيديهن لدى رؤيته ، وكل ذلك يبين بجلاء تقوى يوسف ، فكان يوسف وأبوه في كل ما جاء عنهما في القرآن آيتين من آيات العظمة في الأخلاق والحكمة ، وذلك عكس ما في التوراة تماما ! ! والقصة كلها دروس في الحكمة والأخلاق ، وتفاصيلها غاية في الحبكة ، وأسلوبها رفيع وراق وشديد البلاغة ، وطابعها الإيمان الشديد ، والموعظة ظاهرة فيها ، وتنتهى بالدعاء للّه والحمد له والثناء عليه ، والتنبيه إلى أن هذه القصص في القرآن إن هي إلّا للعبرة ولتقوية إيمان المؤمنين . فشتّان بين رواية التوراة ورواية القرآن ، والفرق بينهما أن سفر التكوين كتبه مؤرخون متتابعون ، ولم يعوا الدرس : أن المراد بهذه الكتب المقدّسة الدعوة إلى اللّه ، فكان اهتمامهم إبراز إسرائيل كشعب حامل للوعود ، والتأكيد على العهد كضمانة للوعد ، واختيار إسرائيل كشعب اللّه ، وأما اهتمام القرآن فكان التنبيه إلى آيات اللّه ، وسبيله التي يدعو إليها هي التقوى ، والدرس المستفاد منها أن النصر بيد اللّه يؤتيه عباده كلما استيأسوا ، وأن القرآن هو تصديق لما سبقه ، وتفصيل له ، وهدى ورحمة لمن يؤمنون . والحمد والمنة للّه ، وهو المستعان . * * *