تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 950

مساهمون:

ص٩٥٠

790 . حزن يعقوب على يوسف

عندما فقد يعقوب ابنه يوسف لم يكن يعقوب قد كبر بعد ، ولم يصدق رواية أولاده عن الذئب الذي أكل ابنه ، وأوجس منهم خيفة ، فقال :
بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ
( 18 ) ( يوسف ) ، وما كان بوسعه أن يفعل شيئا سوى أن يستعين بالصبر ، ويتوجه إلى اللّه يسأله اللطف . ولمّا سئل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن الصبر الجميل في الآية قال : « صبر لا شكوى فيه » . وقيل : ثلاث من الصبر : أن لا تحدّث بوجعك ، ولا بمصيبتك ، ولا تزكّى نفسك ! - ويعقوب فعل الثلاثة ، وكلامه استشهدت به عائشة في « حديث الإفك » ، فقالت : واللّه لا أجد لي ولكم مثلا إلا كما قال أبو يوسف :
فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ
! - ثم إن السنوات مرت ، وجاء أولاد يعقوب وأخبروه للمرة الثانية بما جرى لابنه بنيامين ، مثلما جرى ليوسف قديما ، وربط يعقوب بين الحادثتين ، وقوى عنده الشك في أولاده ، لبغضهم ليوسف وبنيامين ابني راحيل ، وكان ابنه رأوبين مع بنيامين ، يكاد يفقدهما معا ، فلم يقل سوى :
عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
( 83 ) ( يوسف ) ،
وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ
( 84 ) ( يوسف ) : يعنى تولّى عن أولاده ، والكظيم هو الحزين الذي لا يشكو ؛ ورقّ أولاده لحاله وقد ابيضّت عيناه من الحزن ، فقالوا على سبيل الرفق به :
تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ
( 85 ) ( يوسف ) أي ستظل تذكر يوسف ، حتى تضعف صحتك ، وإن استمر بك هذا الحال يصيبك الهلاك والتلف ،
قالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ
( 86 ) ( يوسف ) ، والبثّ هو الهمّ ، وعلمه من اللّه - أي ثقته فيه وإيمانه به . والحزن إن كان شديدا يصيب الحزين في مقتل ، حتى أن العينين يجف بهما الدمع وتتحجّران ولا تدمعان ، وقد لا ينطق اللسان ، وقد ينقلب الحزن إلى ضده فيكون الحزين كأنه لا يبالي ، أو كأنه مبتهج بالحدث ، وعبّر يعقوب عن ذلك فقال إنه يشكو حزنه إلى اللّه ويبثه شجنه ، واللجوء إلى اللّه في الشدائد دليل الإيمان ، وعند المصائب كثيرا ما يؤمن الكافر ، ويقر المذنب بذنبه وينوب ويتوب . وإيمان يعقوب يبلغ القمة عندما يقول لهم :
يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ
( 87 ) ( يوسف ) ، والتحسس طلب الشيء بالحواس ويكون في الخير ، والتجسس يكون في الشر ، وروح اللّه الأمل والرجاء في اللّه ، والمؤمن لا يقنط ولا ييأس من رحمة اللّه ، والقنوط واليأس من الكبائر ، وحزن يعقوب كان حزن نبىّ ليقتدى به ويكون مضرب الأمثال : نقول : صبر أيوب ، ورجاء يعقوب ! * * *