تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 916

مساهمون:

ص٩١٦
استفهام عن هيئة الإحياء ، لا عن الإحياء نفسه ، فالإحياء متقرر ، إلا أن اللّه تعالى جعل سؤاله أنه لم يسلّم جدلا بالإحياء ، فقال له « أو لم تؤمن ؟ قال : بلى ولكن ليطمئن قلبي » ، فعلّل سؤاله بالطمأنينة وليس بالشك . وقال ابن عباس : هذه أرجى آية في القرآن : لأن إبراهيم بها انشرح صدره بالطمأنينة لمّا عرف إجابة سؤاله ، وترسّخ إيمانه . وفي هذه القصة جاء عن النبىّ صلى اللّه عليه وسلم قوله : « نحن أحق بالشّك من إبراهيم ، إذ قال ربّ أرني كيف تحيى الموتى ؟ قال : أو لم تؤمن ؟ قال : بلى ولكن ليطمئن قلبي » ، فلو كان إبراهيم شاكا لكان الرسول صلى اللّه عليه وسلم أولى بالشك منه ، والرسول صلى اللّه عليه وسلم لم يشك ، وإبراهيم أحرى به كذلك أن لا يشك ، وحديثه صلى اللّه عليه وسلم نفى للشك عند إبراهيم ، وسؤال إبراهيم إذن كان من باب الإيمان ، وبتعبير الرسول صلى اللّه عليه وسلم أن إبراهيم كان « محصن الإيمان » ، وأما الشك : فهو التوقف بين أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر ، وما كان حال إبراهيم من هذا النوع ، وما كانت سيرته إلا سيرة إنسان مؤمن شديد الإيمان ، وقد امتحن بالتحريف فما ارتد ، والشك مستبعد في حق من تثبت قدماه في الإيمان ، فكيف به لو كان نبيا كإبراهيم ؟ وإنما حال إبراهيم هو حال « الباحث عن الحقيقة » ، وطلبه من ربّه كان المعاينة ، فقال : أرني كيف تحيى الموتى ؟ والنفوس مجبولة على أن تطلب رؤية ما تخبر به ، وفي الحديث : « ليس الخبر كالمعاينة » ، وذلك ما تمنّى إبراهيم لو يراه ، فلم يرد رؤية بالقلب ، فالقلب كان عامرا بالإيمان ، ولكنها لرؤية التي طلبها بالعين ، وعندئذ لو كان إيمانه قيراطا فإنه سيصبح قيراطين ، وإذن فالذي كان عند إبراهيم هو « شك الفلاسفة » وليس مجرد الشك ، وشكّ الفلاسفة يزداد به إيمانهم ، وعبّر عنه إبراهيم بقوله : « ليطمئن قلبي » ، بحصول الفرق بين المعلوم برهانا والمعلوم عيانا ، والطمأنينة التي ينشدها كانت أن يسكن فكره في الشيء المعتقد ، والتفكير في الإحياء فيه عبر وعظات ودروس ، وكان ما يشاهده إبراهيم في الدنيا كيفية تفريق أجزاء المخلوقات عند الموت ، ولكنه لم يعاينها في تجمعها فأراد أن يطمئن قلبه برؤية كيفية الجمع ، فأمر لذلك أن يأخذ أربعة من الطير من مختلف الأصناف ، وقطّعها قطعا صغيرة ، وخلطها إلى بعضها البعض ، ثم وزّعها أجزاء على قمم الجبال ، ثم أمرها أن تجتمع بإذن اللّه ، فانصاعت للأمر ، وتمت مشاهدته لما تمنى ، ولذا ختم اللّه تعالى القصة بالتأكيد على إبراهيم ، يقول :
وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
: أي أنه تعالى عزيز لا يغلبه غالب ، ولا يقدر عليه قادر ، وما شاء يكون بلا مانع ، وهو القاهر ، والحكيم في كل ما يفعل ويقول ، وفي شرعه وقدره سبحانه . * * *
موسوعة القرآن العظيم — صفحة 916 | عبد المنعم الحفني