تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 914

مساهمون:

ص٩١٤
وتنويها بقدرة اللّه عليه . وكما نرى فإن « الذي مرّ على القرية الخاوية » لمّا رأى حالها وكيف هي ساقطة على سقفها ، ومتهاوية الحيطان ، وخالية من الناس ، والبيوت مع ذلك قائمة ، تساءل وكيف يمكن أن تعمر هذه بعد خرابها ؟ وكأنه وهو الواقف المعتبر على قريته التي عهد فيها أهله وأحباءه ، يتلهف على أن يعرف ما يمكن أن يؤول إليه أمرها ، وما إذا كان من الممكن أن يبعثوا بعد الموت ، فضرب اللّه له المثل في نفسه بما هو أعظم مما سأل عنه ، وقوله شك لا ريب فيه في قدرة اللّه على الإحياء والبعث ، فلذلك ضرب له المثل في نفسه ، وأماته مائة عام . والقصة بها شبه من قصة أصحاب الكهف ، ولكنها تختلف عنها في المغزى والدرس والمحتوى ، وأصحاب الكهف أصابهم السبات ثم بعثهم اللّه تعالى ، وأمّا « الذي مرّ على القرية الخاوية » فأماته عن حق ثم بعثه ، فلمّا سئل كما سئل أصحاب الكهف : كم لبثت ؟ قال : لبثت يوما أو بعض يوم ، قاله مما في ظنه ، فلم يكذب فيما أخبر به . و « الذي مرّ على القرية الخاوية » . لم يكن نبيّا كما يقول المفسرون ، وإلا فكيف سيفسّر لقومه غيابه مائة سنة ؟ وعندنا أنه من أولياء اللّه ، ومن النمط المفكر وليس من النمط المتعبّد ، والأوّل كثير السؤال مثل إبراهيم ، والثاني كثير العبادة ولا يطرأ الشك على قلبه أو عقله من قريب أو بعيد ، مثل نبيّنا صلى اللّه عليه وسلم . وقيل : كان طعام « الذي مرّ على القرية الخاوية » من التين ، وشرابه الماء ، ولم يتسنّه الطعام ولا الشراب ، أي لم تغيّرهما السنون المائة ، ولم يتغير طعمهما ولا رائحتهما ، من أسن الماء إذا تغيّر . وقال وهب بن منبه : إن حماره صار عظاما نخرة ، فأحياه اللّه جزءا جزءا ، ليريه كيف يكون البعث ، وليعاينه بنفسه في غيره ، لأنه لم يعاينه في نفسه ، فأولا وصلت العظام ببعضها البعض ، ثم كسيت لحما حتى كمل الحمار ، ثم كان أمر اللّه فقام الحمار ينهق . وقيل : بل إنه عاين الإحياء في نفسه ، وكانت العظام هي عظام نفسه ، فأحياه اللّه أولا ، واستكمل رأسه ولم يستكمل جسمه ، فكانت بقية جسمه عظاما ، فأراه كيف تكسى باللحم ويكتمل له الشكل الآدمي ، فكان شابا كما كان منذ مائة عام ، فجعله آية للناس ، وبحث عن أهله فوجد أبناءه ، ولكنهم كانوا شيوخا . والمفسرون يكادون يجمعون على أن هذا « الذي مرّ على القرية الخاوية » هو عزيز الذي هو عزرا في التوراة ، واليهود يعتبرونه وليّا وينزلونه منزلة أكبر من منزلة موسى ، ويلقبونه بالكاهن ، وبالكاتب ، ويدينون له بالفضل كل الفضل ، لأنه الذي كتب التوراة وعلّمها الأوائل ، ونشرها بين اليهود بالخط الأشورى أو الحروف الآرامية المربعة ، ولم يدّع عزير أو عزرا أنه يكتب التوراة ، ولكنه كان مثل كل مؤرخي اليهود ، يحاول أن يصنع تاريخا لبنى إسرائيل في المنطقة ، ولم تكن دعوته للّه وإنما لشعب إسرائيل ، وذلك ما
موسوعة القرآن العظيم — صفحة 914 | عبد المنعم الحفني