754 . دعاء إبراهيم لنفسه وأبيه
هو قوله :
رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ( 83 ) وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ ( 84 ) وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ ( 85 ) وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ ( 86 ) وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ ( 87 ) يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ ( 88 ) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ
( 89 ) ( الشعراء ) ، يدعو اللّه أن يهبه المعرفة به وبحدوده وأحكامه ، وأن يؤتيه الفهم والعلم ، والنبوّة والرسالة ، ويلحقه بالنبيين من قبله ، وبأهل الجنة ، وأن يجعل له لسان صدق في الآخرين ، فتجتمع عليه الأمم ، وتتمسك به وتعظّمه ، وقد استجاب له اللّه ، فجعله على الحنيفية التي أحياها محمد صلى اللّه عليه وسلم ويعمل بها المسلمون في كل أرجاء الدنيا ، وهم يصلون عليه كصلاتهم على نبيّهم ، وخاصة في الصلوات وعلى المنابر ، والصلاة عليه دعاء له بالرحمة .
واللسان الذي يسأله إبراهيم من اللّه تعالى هو القول ، وأصله جارحة الكلام ، وموضع اللسان هو موضع القول على الاستعارة ، ولسان الصدق أن يمدح ويثنى عليه ، والمؤمن يحب أن يعرف أن عمله يقابل بالثناء لا بالذم ، وأنه عمل صالح بالفعل لا بالقول ، استحبابا لاكتساب ما يورث الذكر الجميل ، والذكر الجميل هو حياة ثانية لصاحبه ، كقول القائل : قد مات قوم وهم في الناس أحياء . ومن دعوة إبراهيم أن يورثه جنة النعيم ، وفي ذلك ردّ على من يدّعى أن المؤمن لا ينبغي أن يسأل اللّه جنّة ولا نارا . وقيل إن إبراهيم كان قد وعده أبوه في الظاهر أن يؤمن ، فاستغفر له لهذا السبب ، فلمّا بان أنه لا يفي بما وعد تبرّأ إبراهيم منه ، ولذلك قال فيه : « إنه كان من الضالين » أي المشركين . ولم يحب إبراهيم أن يفضحه اللّه به يوم القيامة على رؤوس الأشهاد ، فدعا أن لا يخزيه يوم البعث ، وفي الحديث : « إن إبراهيم يرى أباه يوم القيامة عليه الغبرة والقترة » أخرجه البخاري ، والغبرة هي القترة ، وفي الحديث : « يلقى إبراهيم أباه فيقول : يا ربّ إنك وعدتني ألّا تخزني يوم يبعثون ، فيقول اللّه تعالى : إني حرّمت الجنّة على الكافرين » أخرجه البخاري . ويوم البعث : يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون ، وإنما ينفعه أن يأتي ربّه سليم القلب ، وخصّ القلب لأنه إن سلم سلمت الجوارح كلها ، وإن يفسد فسدت سائر الجوارح . والقلب السليم : هو الخالي من الشك والشّرك ، وأما الذنوب فليس يسلم منها أحد . وقيل : القلب السليم الصحيح هو قلب المؤمن ، لأن قلب الكافر والمنافق قلب مريض ، كقوله تعالى :
فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ
( البقرة 10 ) . ولا يكون القلب سليما إلا من آفة المال والبنين . والقلب السليم كاللديغ من الخوف من اللّه ، ويعلم أن اللّه حق ، والساعة قائمة ، والبعث حق ، وفي الحديث : « يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير » يريد أنها مثلها خالية من كل ذنب ،