السلام ، وصلاته بالليل والناس نيام » . والخلّة إذن ليست مسألة إيثار ولكنها استحقاق عن جدارة .
* * *
751 . دليل إبراهيم الكوني على وجود اللّه
هذا الدليل يسميه القرآن :
مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
في قوله تعالى :
وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ
( 75 ) ( الأنعام ) ، فاليقين في حالة إبراهيم يتأتى بالدليل ، وإبراهيم كان إيمانه عقليا استدلاليا ، وبداية تفكيره كانت السؤال المعهود عند أصحاب الفكر من الفلاسفة : كيف خلق هذا الكون ، ومن خلقه ؟ والسؤال البسيط يناسب المرحلة الطفولية بالنسبة له كإنسان ، وجوابه عليه يلخص تاريخ الديانات منذ البداية :
فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ ( 76 ) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ ( 77 ) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ
( 78 ) ( الأنعام ) ، ففي التاريخ تعبّد الناس للكواكب ، وبدءوا بأكبرها وانتهوا إلى القمر ثم الشمس ، فإذا ارتقوا في التفكير انتقلوا إلى التجريد والتوحيد ، واعتقدوا في اللّه فاطر السماوات والأرض ، وكانت ديانة التوحيد الأولى في التاريخ هي الحنيفية ، عنى بها إبراهيم الميل إلى الحق ومجانبة الشّرك . والملكوت في الآية اصطلاح كالرغبوت والرهبوت والجبروت ، وهو الملك ، زيدت عليه الواو والتاء للمبالغة . وأفول الكواكب في منطق إبراهيم أقوى من ظهورها في الاستدلال ، واستدلاله يتميز بمهلة النظر ، وقوله : هذا ربّى » ليس إشراكا ، لأنه على قولهم وليس على قوله ، ولأنهم كانوا يعبدون الكواكب . فلما بلغ اليقين بطريقته كان عليه أن يدعو إلى معتقده ويجادل عنه :
وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَ تُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَ فَلا تَتَذَكَّرُونَ
( 80 ) ( الأنعام ) ، والمحاجاة : جدل ومقارعة الحجة بالحجة ، والحجة العقلية تناسبها حجة من نوعها ، والإيمان في منطق إبراهيم ، فطرى ، ومن يرد التثبّت يثبّته اللّه ويجلّى بصيرته ، وأكثر ما يظهر الإيمان على الوجه فخصّه بالذكر ، قال :
إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ
( 79 ) ( الأنعام ) ، ولم يبد أي خوف لأن ما كانوا يعبدونه من دون اللّه لا يضر ولا ينفع ، وحجّته التي ينوّه بها القرآن هي قوله :
وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 81 ) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ( 82 ) وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ