تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 904

مساهمون:

ص٩٠٤
إذن لم يكذب ، وإنما يحاج بالمنطق . وجواب إبراهيم :
بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا
هو نفسه سؤال يلزم بلفظ الخبر : لم ينكرون أن يكون قد فعله كبيرهم ؟ أي من اعتقد عبادتها يلزمه أن يثبت لها فعلا . * * *

748 . إبراهيم مؤسس الفتوة

كان إبراهيم عندما كسر الأصنام « فتى » كما وصفوه :
قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ
( 60 ) ( الأنبياء ) - يعنى شابا حدثا ، والحدث من سن البلوغ إلى الثلاثين تقريبا ، ورغم حداثة سنّه فقد اتّسمت فعلته بالجرأة الشديدة ، وكانت له حجج مفحمة ، ومنطق راجح يدل على أن عمره العقلي أكبر من عمره الزمنى ، وأنه ناضج فكريا نضوجا ليس لأترابه ، وله عقلية « الباحث عن الحقيقة » ، وشخصية « الفيلسوف » الراغب في المعرفة ، واتصفت ردوده بالحدّة شأن ردود الشباب ، كقوله :
أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
( لأنبياء 67 ) . وأهل الإسلام بنوا على وصف إبراهيم « بالفتى » مذهبا يقوم على نفس سلوكياته وأخلاقه وطريقة تفكيره ، أطلقوا عليه اسم « الفتوة » ، وكان انتشار هذا المذهب ، وقيام فرق الفتوة خصوصا في العصر العباسي . وبمفهوم هذا المذهب فإن الفتوة هي الإيمان والهداية ، وهما ما كان عليه « الفتية أصحاب الكهف » ، قال فيهم ربّهم :
إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً
( 13 ) ( الكهف ) ، أي كانوا أحداثا مؤمنين كإبراهيم . والأصنام التي كسرها إبراهيم نوعان : الأصنام الحسيّة التي كانوا يتعبّدون لها ، والأصنام النفسية المعنوية التي كانت في قلوبهم اعتقادات خاطئة ، وأخلاقيات رديئة ، وأفكارا متخلّفة . والفتوة لذلك لها شقان ، الأول : الفتوة الفكرية : وهي الخروج على العرف فيما يخالف العقل ، والجرأة في الحق ؛ والثاني : الفتوة السلوكية : وهي الانتصار للضعفاء ، ونجدة الملهوف ، وإنصاف المظلومين ، مما يعرف في الإسلام باسم « الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر » . وإبراهيم هو المؤسس الحقيقي لهذا المذهب والمنهج معا ، وكان من « الفتيان السالكين » وقد أعلن الحرب ضد الأصنام : أصنام الهوى والشيطان والدنيا والعجب ، وصنم كل إنسان نفسه ، فمن خالف هواه فهو « فتى » على الحقيقة ، وهو « إبراهيمى النزعة » ، و « حنيفى العقيدة » ؛ و « الحنيفية » هي الأساس العقائدي لنظام الفتيان ، والحنيفية تعنى الميل عن الباطل إلى الحق ، مع التسامح في كل الأحيان ، ولذا يؤثرون تسميتها « بالحنيفية السمحاء » ، أي غير المتزمتة . وأي شباب يحكم لهم بالفتوة فإننا نعنى أنهم « مؤمنون بلا واسطة » كما كان إيمان إبراهيم ، ولا ينبغي أن نظن أن الفتوة هي شكل من أشكال مذهب الربوبية
deism
الذي يقول أن معرفة اللّه ممكنة