لاتخاذه الأصنام آلهة من دون اللّه ، فيكون المعنى : أتتخذ يا مخطئ أصناما آلهة من دون اللّه ؟ وربما آزر اسم لصنم ، فيكون المعنى : أتتخذ الصنم آزر إلها من دون اللّه ؟ وقيل : إن الآية :
وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ
( 114 ) ( التوبة ) تفسّر كلمة « آزر » في الآية السابقة باعتبارها كلمة سبّ وعيب ، ومعناها في العبرية المعوّج ، فيكون المعنى : إذ قال إبراهيم لأبيه يا أعوج ، أتتخذ آلهة أصناما من دون اللّه ؟ وهي أشد كلمة يمكن أن يقولها ابن لأبيه ، وهذا نفسه هو تفسير الآية :
فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ
. وربما آزر بمعنى المؤازر لقومه على عبادة الأصنام ، أو أنها مشتقة من الأزر يعنى القوة كما قلنا سابقا ، فيكون المعنى : أللقوة تتخذ أصناما من دون اللّه ؟ وبعض المقرئين يقرأ : « وإذ قال إبراهيم لأبيه » يتوقف هنيهة ، ثم يقول :
« آزر ، أتتخذ أصناما آلهة من دون اللّه » ؟ يعنى أن إبراهيم يقول : « آزر » دهشة واستغرابا ، وبلهجة التوبيخ ، بمعنى أف لك ، وكل هذه المعاني السابقة تعتمد على أن آزر كلمة عبرية ، والقرآن ليس كتابا لنشر اللّغة العبرية ، ونزوله بالعربية إنما ليفهمه العرب ، فلا بد إذن أن آزر هي اسم للأب ، ولكن الأب اسمه تارح بفتح الراء كما يجيء في التوراة ، وهي في العبرية بمعنى عنزة ، وأما آزر فبمعنى القوى الصلب الشديد القاسى الذي لا يرحم ، فيكون أن الاسم الحقيقي للأب هو تارح ، ولأنه اسم لا يحبه صاحبه لنفسه ولا يشتهى أن يناديه الناس به ، فإنه اختار لنفسه « آزر » وهو المقابل « لتارح » ، لينادى به في دائرة أصحابه ومعارفه ، وهو تغيير مشروع ، وكثيرا ما يلجأ إليه ، وعندنا في مصر قرية كان اسمها ميت خنازير فغيّر أهلها الاسم إلى ميت السباع ، وكان الرسول صلى اللّه عليه وسلم يغيّر الاسم القبيح إلى اسم مقبول ومحبوب ، فكان رجل اسمه مضطجع فسمّاه منبعثا . ولا يعيب ورود اسم آزر في القرآن أنه غير وارد في التوراة ، فالكثير الغالب من القرآن في الموضوعات الواحدة لا مثيل له في التوراة ، كما في قصص آدم ، ونوح ، وهود ، وشعيب ، ويوسف ، وموسى . . .
إلخ ، وكذلك يورد القرآن أشياء عن عيسى لا وجود لها البتة في الأناجيل الأربعة مجتمعة ، وعلى ذلك يكون آزر اسم جنس ، وجائز أن يستخدمه القرآن كاسم ، ولا تثريب أن يكون للأب اسمان ، فإبراهيم نفسه كان له اسمان بالعبرية ، الأول : أبرام ، بمعنى الرفيع الشأن ، والثاني : إبراهيم ، بمعنى « أبو رهام ، أي « أبو الجمهور » ، أي أبو الناس ( تكوين / 5 17 ) كما في القرآن :
إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً
( النحل ) ، يعنى كان وحده يساوى أمّة ، أو أنه أمة وحده ، وتتمثل فيه وحده أمة . وكان ليعقوب اسمان ، أحدهما يعقوب يعنى التوأم المولود عقب أخيه ، والثاني إسرائيل أي عبد اللّه . وكان للنبىّ صلى اللّه عليه وسلم أسماء كثيرة وكنى كثيرة . فلا خطأ في الآية موضوعنا ، وتعالى اللّه العظيم عن الزلل والنقص ، والحمد للّه ربّ العالمين .