فاستطاع الخروج منها ، ومن يجعل في النار هذه الطاقة على الحرق لهو القادر على أن يعطّل السبب ، وهو ما جرى مع إبراهيم ، وعلماء اليوم يفعلون من ذلك الكثير فيوقفون الأسباب ، فلا غرابة فيما فعل اللّه سبحانه وإن قدروا على ذلك ، فاللّه أقدر ، وهو تعالى مثلما يحيى فإنه يميت ، ولقد أحيا النار وباستطاعته أن يميتها ويلغى تأثيرها وفعلها . وبعد هذه الحادثة ما كان من الممكن أن يستمر إبراهيم يعايش هذا الحاكم أو أهل بلده ، وقيل : لم يكن إبراهيم قد بلغ الرشد عندما حرّق وكان في السادسة عشرة ، فذلك ما جعله يصمم على الهجرة من العراق ويسير إلى فلسطين .
* * *
746 . دعاء إبراهيم وهم يحرّقونه
روى عن النبىّ صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إن إبراهيم حين قيّدوه ليلقوه في النار ، قال : لا إله إلا اللّه ، سبحانك ربّ العالمين ، لك الحمد ، ولك الملك ، لا شريك لك » ، قال : « ثم رموا به في المنجنيق من مضرب شاسع ، فاستقبله جبريل ، فقال : يا إبراهيم ، ألك حاجة ؟ قال : أمّا إليك فلا » ، فقال جبريل : فاسأل ربّك . فقال إبراهيم : « حسبه من سؤالي علمه بحالي » . فقال اللّه تعالى وهو أصدق القائلين : يا نار كونى بردا وسلاما على إبراهيم » .
* * *
747 . كذبة إبراهيم حجّة له لا عليه
كذب إبراهيم حين أراد إبعاد الشبهة عن نفسه ، فردّ الاتهام على أصحابه ، ونسب لكبير الأصنام أنه الذي كسرها ، بتعليقه الفأس برقبته ليجعله في موضع الاتهام :
قالُوا أَ أَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ ( 62 ) قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ
( 63 ) ( الأنبياء ) ، فبيّن أن من لا يتكلم ولا يعلم لا يستحق أن يعبد ، وكانت كذبته من « المعاريض » ، وفي المعاريض يمكن الكذب ، وأن يشهد زورا على كبير الأصنام ، وأن يسخر منهم لمّا طلب أن يسألوهم عن الفاعل ، واستنكر أن يسأل عن أحجار خرساء ، فإن كانوا ينطقون فإنهم مصدّقون ، وإن لم يكونوا ينطقون فمن باب أولى لم يقوموا بما اتّهموا به ، وفي كلامه اعتراف ضمني بأنه الفاعل ، وهو إذن لم يكذب ولا يكذب ، ودلّ أن دفاعه خرج مخرج التعريض ، فطالما أنها لا تنطق ، فهي لا تنفع ، ولا تضر ، فلم يعبدونها إذن ؟ ، كقوله :
يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ
( مريم 42 ) ، فأقام عليهم الحجة منهم . وفي فقه تعريض إبراهيم يجوز فرض الباطل مع الخصم ليرجع إلى الحق من ذات نفسه ، بأقواله هو ، وذلك أقرب في الحجة ، وأقطع للشبهة . وهذا ما فعله إبراهيم ، وهو