تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 902

مساهمون:

ص٩٠٢
لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ
( 61 ) ( الأنبياء ) دليل على أن أول محكمة في التاريخ من هذا النوع كانت لمحاكمة إبراهيم ، فلما رجع قومه من الاحتفالات بعيدهم رأوا تماثيل آلهتهم محطمة كالجذاذ ، وقبضوا على من قبضوا عليهم واستجوبوهم ، وخلصوا إلى أن الفاعل كان فتى يذكرهم يقال له إبراهيم ، فقبضوا عليه وعقدوا له محاكمة علنية بمرأى من الناس ، لتكون أقواله فيها حجة عليه ، وليشهد الناس عقابه فلا يقدم أحد على مثل ما أقدم عليه ، أو لعل آخرين يتقدمون ليشهدوا بأنهم رأوه يكسر أصنامهم ، وليعلموا أنه يستحق العقاب ، واستفهموه :
أَ أَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ
( 62 ) ( إبراهيم ) ، فقال لهم على جهة الاحتجاج عليهم :
بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ
( 63 ) ، فعلّق الجواب على اتهامه وتصديقه أو تكذيبه ، على الصنم الكبير إن كان ينطق ، فنبّه على فساد اعتقادهم ، وكأنه كان يستنطق الأصنام الصغيرة أن تشهد إن كانت تنطق ، ويستنطق الصنم الكبير أن يكذّب اتهامه ، إن كان ينطق ، فبيّن أن من لا يتكلم لا يستحق أن يعبد وأبدهتهم حجته :
فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ
( 64 ) ( الأنبياء ) ، وهؤلاء كانوا نفرا منهم ، لأنه إذا كان هناك رأى ، فلا بد أن يكون هناك رأى آخر ، ورجوع أصحاب الرأي الآخر هو رجوع المنقطع عن حجّته ، المتفطّن لحجة خصمه ، كقوله :
إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ
، ظلموا أنفسهم بعبادة من لا ينطق ، ولا يملك أن ينطق ، وكيف ينفع عابديه ويدفع عنهم البأس ، من لا يرد عن رأسه الفأس ؟ ! ! وهذا رأى كان لا بد أن يدحضه رأى آخر :
نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ
( الأنبياء 65 ) ، أي أنهم بهذا الرأي عادوا إلى جهلهم وعبادتهم ، وردّوا إلى كفرهم ، فقالوا :
لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ
( 65 ) ( الأنبياء ) ، فقال يحاورهم ويردّ على مقالتهم وحجتهم :
أَ فَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ ( 66 ) أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ
( 67 ) ( الأنبياء ) ، فقطعتهم حجّته وأفحمهم فيما يتقوّلون ، فأصدروا أول حكم من نوعه في التاريخ :
قالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ
( 68 ) ( الأنبياء ) ، وكان هذا التحريق لإبراهيم مدعاة لمزيد من أحكام التحريق عبر التاريخ ، ومن ذلك « أصحاب الأخدود » الذين ورد ذكرهم في القرآن في سورة البروج ( انظر القصة في باب قصص القرآن ) ، واشتهر اصطلاح التحريق
holocaust
أو
auto - da - fe
، وفي الخبر أن النمرود بنى صرحا وجمعوا فيه الحطب ثم أوقدوه حتى اشتعلت النار واشتدت ، حتى أن أيا ما يمر من فوقها ليحترق من شدّة وهجها ، وقيّدوه ووضعوه مغلولا في المنجنيق ليرموا به فيها ، وكانت معجزة اللّه في إبراهيم أن أبطل فعل النار ، قال :
يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ
( 69 ) ( الأنبياء ) ، فلم يحترق إلا وثاقه ،