فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ
( 66 ) ( آل عمران ) ، والآية دليل على منع من لا علم له أن يجادل فيما لا يعلم ، وتحظر على من لا تحقيق عنده أن يخوض فيما لا يعرف ، وعلى عكس ذلك كان حضّه تعالى لمن عنده العلم والمعرفة أن يحاجج فيما يعلم ويعرف ، قال :
وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
( النحل 125 ) .
* * *
739 . إبراهيم ما كان يهوديا ولا نصرانيا
لليهود والنصارى دعاوى عريضة في إبراهيم ، ومن مزاعم اليهود أنهم وحدهم من نسل إبراهيم ( تكوين 17 / 18 ) ، وعند النصارى هو أبو بني إسرائيل ( أعمال 13 / 26 ) ، وأبو ملة اللاويين ( عبرانيين 7 / 5 ) ، وأبو المسيح ( متى 1 / 1 ) ، وأبو كل النصارى كمؤمنين ( غلاطية 3 / 29 ، ورومية 4 / 11 ) ، والقرآن ينفى أن يكون إبراهيم يهوديا أو نصرانيا :
ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
( 67 ) ( آل عمران ) ، فنزّهه من دعاويهم الكاذبة ، وأوضح أنه كان على « الحنيفية » - أي « الإسلام » - ولم يكن مشركا . و « الحنيف » : هو الذي يوحّد اللّه ، ويحجّ ، ويضحّى ، ويختتن ، ويستقبل القبلة ؛ و « المسلم » في اللغة : هو المتذلل لأمر اللّه ، المنطاع له .
* * *
740 . الحنيفية ملة إبراهيم
كانت الحنيفية أول ملّة يعطى لها اسم ، وكان إبراهيم حنيفا ، والمسلمون أمروا باتباع الحنيفية :
فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً
( آل عمران 95 ) ، وأمر نبيّنا وأوحى إليه أن يتّبعها :
وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً
( النساء 125 ) ، والملّة : هي الدين ، والملة الحنيفية : هي الملّة المائلة عن الأديان المكروهة إلى الحق الذي هو دين إبراهيم . وملة إبراهيم هي الوحيدة التي تسمى بالحنيفية ، وإبراهيم كان أول الحنفاء ، كقوله تعالى :
كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً
( آل عمران ) ، وربما كانت الحنيفية قبل إبراهيم ، فلا بد أنه كانت هناك ثلة من المؤمنين وسط طوفان الكفرة الذين يملئون العالم ، إلا أن إبراهيم كان أبرز الحنفاء ، لأنه الذي أعلن الحنيفية ودعا لها ، وكان أول من قال :
إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً
( الأنعام 79 ) .
وقال :
إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً
( الأنعام ) . وسمّى إبراهيم « حنيفا » لأنه حنف إلى دين اللّه وهو الإسلام ، فالناس كانوا يسمون الملل بأسماء كهذه تفيد استقبالهم للملة أو انحرافهم عنها ، كالصابئة : فهم الذين صبئوا ، أي خرجوا عن ملّتهم إلى ملّة أخرى ، فهم صابئة وصابئون ، ومفردها صابئ ، فكذلك الحنيفية ، فكان